أتابع اليوم فى مقالي، الذى بدأته منذ أسابيع، استعراض أجزاء من كتاب «رجل الأقدار» الذى أصدرته الهيئة الوطنية للصحافة، والذى يوثق مسيرة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى أهم اللحظات الفارقة من تاريخ مصر. وقد تناولت فى هذا الكتاب الجزء الخاص بمسيرته العسكرية حتى وصوله إلى قصر الاتحادية رئيسًا للجمهورية.
وانتهيت فى مقالى السابق عند رأى المشير طنطاوي، وهو رفض ترشيح أى من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة لانتخابات رئاسة الجمهورية، وكان هذا الرأى متفقًا مع رأى اللواء عبد الفتاح السيسي، مدير المخابرات الحربية فى ذلك التوقيت، الذى كان يرى أنه من الأفضل ألا تجرى انتخابات رئاسة الجمهورية قبل الانتهاء من إعداد دستور جديد للبلاد.
واليوم نعرض أنه عندما جاء يوم 12 أغسطس 2012، أصدر الرئيس محمد مرسى قرارًا بتعيين الفريق أول، عبد الفتاح السيسى، وزيرًا للدفاع وقائدًا عامًا للقوات المسلحة، خلفًا للمشير طنطاوي. ومنذ هذه اللحظة أدرك السيسى أنه مقبل على مهمة شديدة الصعوبة، وأن التحديات أمامه جسيمة، ليس أقلها الحفاظ على الجيش وصون قدرته القتالية فى وقت بالغ الخطورة.
وكان يعرف أن موقعه الجديد يضعه وجهًا لوجه أمام رئيس ينتمى إلى جماعة ذات مشروع سياسى وأيديولوجي، وأن نجاحه الحقيقى لن يكون فى مجرد إدارة المؤسسة العسكرية، وإنما فى الحفاظ على استقلالها وولائها المطلق لمصر، بعيدًا عن أى تيار سياسى أو ديني.
وفى أول لقاء جمعه بالرئيس محمد مرسى بعد توليه منصبه الجديد، لم يتردد السيسى فى وضع النقاط فوق الحروف قائلًا: «أنا لست إخوانيًا ولا سلفيًا، والجيش كذلك، ولن تكون له أى علاقة بتيار سياسى بعينه. الجيش هو جيش كل المصريين، وولاؤنا جميعًا لمصر فقط».
استمع مرسى لهذه الكلمات، وأكد أنه يريد الحفاظ على الشرعية وأمن البلاد، لكن كان يدور فى ذهنه أمر مغاير تمامًا، فقد كان يظن أن السيسى سيكون تابعًا مباشرًا له وينفذ الأوامر دون نقاش باعتباره القائد الأعلى، ولا يمكن أن يعارضه. لكن الأيام أثبتت أن السيسى لم يكن الرجل الذى يسير فى ركاب أحد، وإنما قائد يضع مصلحة الوطن فوق أى اعتبار.
وجاء الاحتفال بالذكرى التاسعة والثلاثين لانتصار أكتوبر عام 1973 ليكون أول اختبار حقيقى بين الرئيس الجديد ووزير دفاعه، فقد صدرت تعليمات من مكتب الإرشاد التابع لجماعة الإخوان لتحديد شكل الاحتفال وأسماء المدعوين، وجرى تهميش وزير الدفاع نفسه، ورفض دعوة أى من أبطال أكتوبر، ولا حتى المشير طنطاوي، فى حين تقرر دعوة قتلة السادات إلى الحضور.
وكان المشهد صادمًا ومستفزًا لكل القادة العسكريين، وأصاب السيسى بمرارة عميقة، لكنه كتم غيظه، واختار فى اليوم التالى أن ينقل استنكار القوات المسلحة بالكامل لهذا التصرف المهين، مؤكدًا رفض المؤسسة العسكرية لمثل هذه الإهانة، واعتبرها محاولة مقصودة للنيل من كرامتها.
ورغم أن السيسى أدرك نوايا مرسى فى تعمد الإساءة للجيش، فإنه لم يسعَ إلى التصعيد، بل آثر أن يفوت الفرصة انتظارًا لما ستكشفه الأيام، إلا أن أخطر ما كان يقلقه فى ذلك الوقت هو قضية الأمن القومى المصري، فقد وردت إلى مكتبه تقارير خطيرة أعدتها المخابرات الحربية، تتعلق بمخطط مشبوه تشترك فيه جماعة الإخوان مع الولايات المتحدة وإسرائيل وحماس، يهدف إلى إقامة ما أطلق عليه «دولة غزة الكبرى» على أراضٍ مصرية فى سيناء. وتضمنت هذه التقارير معلومات فى غاية الخطورة، من بينها:
• بدء مرحلة جديدة من العلاقات مع إسرائيل تقوم على أساس طى صفحة الماضي، وهو ما تجلى فى الرسالة التى بعث بها مرسى إلى الرئيس الإسرائيلى شيمون بيريز فى 19 يوليو 2012، والتى حملت عبارات لافتة مثل: «عزيزى وصديقى العظيم»، و«صديقك الوفي».
• الدور الذى لعبه الدكتور عصام الحداد، مساعد رئيس الجمهورية للعلاقات الخارجية، فى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، مع إدانة عمليات المقاومة، وهو الاتفاق الذى وقع فى 22 نوفمبر 2012 برعاية مباشرة من مرسي.
• معلومات استخباراتية تشير إلى خطوات مرتقبة تسمح بمشاركة الولايات المتحدة فى مراقبة الحدود المصرية - الإسرائيلية بأجهزة إلكترونية، بما يشمل رصد الأسلحة وعمليات التسلل، بل والتجسس على مصر نفسها.
• خطة تمليك الفلسطينيين المنتمين إلى حماس للأراضى الملاصقة للحدود المصرية مع غزة، تمهيدًا لإعلان دولة جديدة تمتد على مساحة نحو 720 كيلومترًا حتى مدينة العريش.
• فتح أبواب سيناء للإرهابيين من شتى أنحاء العالم، ورصد دخول آلاف منهم بطرق غير مشروعة، وإقامة معسكرات تدريب بالتعاون مع عناصر حماس وتنظيمات فلسطينية متطرفة أخرى.
• أمام هذه المعطيات، لم يتردد السيسى فى اتخاذ خطوة استباقية بالغة الأهمية. ففى الثالث والعشرين من ديسمبر 2012، أصدر قرارًا يحظر تملك أو انتفاع أو إيجار أو أى نوع من التصرفات فى الأراضى والعقارات الواقعة بالمناطق الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية،
والمناطق المتاخمة للحدود الشرقية لمسافة خمسة كيلومترات غربًا باستثناء مدينة رفح والمبانى المقامة داخل الزمام وكردونات المدن قبل صدور القرار الجمهورى عام 2010. كما شمل القرار الجزر الواقعة فى البحر الأحمر والمحميات الطبيعية والمناطق الأثرية.
Email: [email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض