ما حقيقة طرح شهادة بعائد 25%؟
«المركزى» يجتمع فى ظروف صعبة والتوقعات تثبيت الفائدة
عادت شهادة الادخار ذات العائد 25% إلى واجهة الاهتمام من جديد، بعدما انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعى منشورات تزعم استعداد البنك الأهلى المصرى وبنك مصر لطرح شهادة جديدة بهذا العائد، بالتزامن مع موجة رفع للفائدة عالميًا، وارتفاع أسعار النفط والطاقة، وتجدد المخاوف من انتقال الضغوط الخارجية إلى التضخم وسعر الجنيه.
وبين الشائعة والتوقع والتحليل، تتجه الأنظار إلى اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزى المصرى يوم الخميس 24 سبتمبر 2026، لمعرفة ما إذا كانت اللجنة ستثبت أسعار الفائدة للمرة الخامسة على التوالي، أم ستعود إلى الرفع للمرة الأولى خلال العام الحالى، وما إذا كان القرار سيفتح الباب أمام إعادة تسعير الشهادات والودائع.
فقد بدأ البنك المركزى هذا العام بخفض لأسعار الفائدة 100 نقطة يوم 12 فبراير 2026، وكانت التوقعات تتجه إلى مزيد من الخفض خلال العام الحالي، إلا أن التوترات الجيوسياسية والحرب أوقفت المزيد من خفض الفائدة، وجعلت البنك المركزى المصرى فى حالة ترقب، ثبت الفائدة فى الاجتماعات أيام 2 أبريل، و21 مايو و9 يوليو و20 أغسطس ويتبقى للجنة السياسة النقدية 3 اجتماعات 24 سبتمبر و29 أكتوبر و17 ديسمبر هذا العام.
أكد مصادر ببنوك الأهلى المصرى ومصر والقاهرة والتجارى الدولى وغيرها أنه لا توجد نية لطرح شهادات بأسعار فائدة مرتفعة مؤكدين أنه لا توجد شهادة ادخار جديدة بعائد 25% معلنة رسميًا من البنك الأهلى المصرى أو بنك مصر أو أى من البنوك الكبرى.
وما يتم تداوله على منصات التواصل الاجتماعى لا يتجاوز التوقعات والاجتهادات، ولا يستند إلى إعلان مصرفي.
ولذلك فإن الإجابة المباشرة عن السؤال الأكثر تداولًا هى أن شهادة 25% لم تُطرح حتى الآن، أما إمكانية طرحها مستقبلًا فتتوقف على مجموعة معقدة من العوامل، وهذه العوامل لا تتوافر حاليًّا حتى يتم الدفع ببعض البنوك لطرح مثل هذه الشهادات.
ماذا ينتظر قرار الخميس؟
يأتى اجتماع الخميس فى توقيت أكثر تعقيدًا من الاجتماعات الأربعة السابقة، إذ عقد البنك المركزى خمسة اجتماعات منذ بداية 2026، خفض الفائدة فى واحد منها وثبتها فى أربعة اجتماعات متتالية.
وبدأ العام بخفض أسعار الفائدة 100 نقطة أساس، تعادل 1%، فى اجتماع 12 فبراير، لتصل إلى 19% للإيداع لليلة واحدة و20% للإقراض و19.5% لسعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم. وبعد ذلك توقف مسار التيسير النقدي، وثبت البنك المركزى الفائدة فى اجتماعات 2 أبريل و21 مايو و9 يوليو و20 أغسطس.
وبذلك يأتى اجتماع 24 سبتمبر بعد نحو سبعة أشهر من آخر خفض للفائدة، وبعد فترة اتسمت بحذر واضح من جانب البنك المركزي، رغم تراجع التضخم مقارنة بمستوياته السابقة. ويعكس هذا الحذر إدراكًا بأن انخفاض المعدل السنوى لا يعنى اختفاء مخاطر الأسعار، خصوصًا فى اقتصاد يتأثر بسرعة بتكلفة الواردات والطاقة والشحن وسعر الصرف.
تضع الأرقام المحلية لجنة السياسة النقدية أمام إشارات متعارضة. فقد تراجع التضخم السنوى العام فى المدن إلى 14.5% خلال أغسطس، مقابل 14.9% فى يوليو، وهو تطور يمنح البنك المركزى مساحة للإبقاء على الفائدة دون زيادة. لكن التضخم الأساسي، الذى يستبعد بعض السلع شديدة التقلب ويعكس بصورة أفضل اتجاهات الأسعار الأكثر استدامة، ارتفع إلى 14.9% مقابل 14.7%. وتكشف هذه المفارقة أن تراجع التضخم العام لم يصاحبه تحسن مماثل فى جميع مكونات الأسعار.
كما أن أرقام أغسطس لا تعكس بصورة كاملة موجة الارتفاع الأخيرة فى أسعار النفط والطاقة، وزيادة تكلفة الشحن والتأمين، والتوترات التى تحيط بمضيق هرمز وباب المندب. وإذا استمرت هذه التطورات، فقد تنتقل آثارها إلى أسعار الوقود والنقل والكهرباء والأسمدة والمواد الخام والتعبئة، ثم إلى الغذاء والدواء والسلع المصنعة. وهذا الانتقال لا يحدث دفعة واحدة، لكنه يتراكم عبر مراحل الإنتاج والتوزيع حتى يصل إلى المستهلك.
التثبيت هو السيناريو الأقرب
فى ضوء المعطيات الحالية، يبدو تثبيت أسعار الفائدة فى اجتماع الخميس هو السيناريو الأقرب، مع الإبقاء على الإيداع عند 19% والإقراض عند 20%. ويستند هذا الترجيح إلى أن الفائدة الحقيقية، عند مقارنتها بمعدل التضخم المعلن، لا تزال موجبة، كما أن رفع الفائدة يحمل تكلفة كبيرة على النشاط الاقتصادى والموازنة العامة وتمويل الشركات والأفراد.
فرفع الفائدة يعنى زيادة تكلفة اقتراض الحكومة عند إصدار أذون وسندات الخزانة، كما يرفع تكلفة القروض ورأس المال العامل على الشركات، وقد يدفع المنتجين إلى تحميل جانب من هذه التكلفة على أسعار السلع والخدمات.
كذلك فإن الاقتصاد يحتاج إلى تحقيق توازن بين مواجهة التضخم والحفاظ على قدرة القطاعات الإنتاجية على الاستثمار والتشغيل، وهو ما يجعل التثبيت حلًا وسطًا إذا رأت اللجنة أن صدمة النفط لا تزال مؤقتة أو قابلة للاحتواء.
لكن ترجيح التثبيت لا يعنى استبعاد الرفع. فقد أصبحت العودة إلى التشديد النقدى احتمالًا حاضرًا إذا خلص البنك المركزى إلى أن ارتفاع الطاقة وقوة الدولار واضطراب التجارة العالمية ستؤدى إلى موجة تضخمية جديدة، أو إذا ظهرت ضغوط ملموسة على سعر الصرف وتدفقات النقد الأجنبي. وقد يلجأ البنك فى هذه الحالة إلى رفع محدود يبعث برسالة استباقية للأسواق، ويؤكد أولوية السيطرة على توقعات التضخم.
أما خفض الفائدة فى الاجتماع المقبل فيبدو السيناريو الأضعف، لأن المخاطر الحالية لا تشجع على استئناف دورة التيسير سريعًا. فالتضخم الأساسى ارتفع، وأسعار الطاقة لا تزال مرتفعة، والبنوك المركزية الكبرى عادت إلى التشديد، بينما زادت المنافسة على الأموال العالمية. ولهذا أصبح الاختيار الحقيقى أمام اللجنة، وفق القراءة الحالية، بين استمرار التثبيت والرفع الاحترازي، وليس بين التثبيت والخفض.
الفائدة العالمية
اكتسب اجتماع البنك المركزى المصرى أهمية إضافية بعدما رفعت ثلاثة بنوك مركزية كبرى أسعار الفائدة خلال فترة قصيرة. فقد رفع مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى الفائدة يوم 16 سبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس، لتصل إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، فى أول زيادة منذ عام 2023. كما رفع البنك المركزى الأوروبى الفائدة 25 نقطة أساس، لتصل فائدة الإيداع إلى 2.50%، ورفع بنك اليابان الفائدة من 1% إلى 1.25%، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من ثلاثة عقود.
لا تنتقل قرارات هذه البنوك آليًّا إلى أسعار الفائدة فى مصر، لأن لكل اقتصاد ظروفه وأهدافه، لكنها تغير البيئة التى يتحرك فيها البنك المركزى المصري. فعندما يرتفع العائد على الدولار واليورو والين، وتزداد عوائد السندات فى الأسواق المتقدمة، ترتفع المنافسة على رءوس الأموال الدولية. ويصبح المستثمر الأجنبى أكثر دقة فى مقارنة العائد الذى يحصل عليه فى أدوات الدين المصرية بالمخاطر المرتبطة بالتضخم وسعر الصرف والسيولة والتوترات الجيوسياسية.
ويضاف إلى ذلك ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل، بما يزيد تكلفة التمويل الخارجى على الدول والشركات، ويعزز قوة الدولار أمام العديد من العملات. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تضيق مساحة خفض الفائدة فى مصر، لأن تقليل العائد المحلى فى وقت ترتفع فيه العوائد العالمية قد يؤثر فى جاذبية أدوات الدين المصرية وتدفقات المحافظ الأجنبية.
الأموال الساخنة
تعكس تحركات المستثمرين الأجانب والعرب فى السوق الثانوية لأدوات الدين الحكومية درجة الحساسية المتزايدة تجاه التطورات العالمية. فقد سجلت التعاملات صافى شراء بنحو 463.5 مليون دولار يوم 15 سبتمبر، قبل أن تتحول إلى صافى بيع بلغ نحو 289.8 مليون دولار فى 16 سبتمبر، ثم صافى بيع بنحو 267.6 مليون دولار فى 17 سبتمبر. كما سبقت ذلك جلسات شراء، من بينها صافى شراء بلغ نحو 380.1 مليون دولار فى 8 سبتمبر.
هذه التحركات لا تعنى هروبًا جماعيًا للأموال الأجنبية، لأن السوق تشهد بطبيعتها عمليات دخول وخروج، كما أن الحكم على الاتجاه العام لا يصح من خلال جلسة أو جلستين. لكنها تكشف عن تذبذب واضح، وعن ارتفاع حساسية المستثمرين لأى تغير فى الفائدة الأمريكية أو سعر الدولار أو المخاطر الإقليمية. ولذلك ستراقب لجنة السياسة النقدية ليس فقط مستوى التضخم، وإنما كذلك اتجاه تدفقات النقد الأجنبى وعوائد أدوات الدين والطلب على الجنيه.
وقد يفسر ارتفاع عوائد أذون الخزانة إلى مستويات تدور حول 25% جانبًا من الشائعة المنتشرة بشأن شهادات الادخار. فالبعض يخلط بين عائد أذون الخزانة وعائد الشهادات المصرفية، رغم اختلاف المنتجين.
أذون الخزانة أدوات دين حكومية قصيرة الأجل تُطرح وفق مزادات، ويُحسب العائد عليها بطريقة تختلف عن الشهادات، كما تخضع للضرائب والمصاريف وشروط التداول والاسترداد. أما شهادة الادخار فهى التزام على البنك تجاه العميل وفق مدة ودورية عائد وقواعد استرداد محددة. ولذلك لا يعنى وصول عائد بعض الأذون إلى 25% أن البنوك ستطرح بالضرورة شهادة بالعائد نفسه.
شهادة 25%
حتى إذا قرر البنك المركزى رفع أسعار الفائدة يوم الخميس، فلن يتم طرح شهادة 25% لأن العوامل التى أدت إلى طرح شهادة مرتفعة فى السنوات الماضية غير موجودة، إلى جانب أن رفع البنك المركزى للفائدة لن يتجاوز 1% إذا حدث! وقرار البنك المركزى يحدد سعر الفائدة المرجعى فى السوق، لكن كل بنك يحدد عائد منتجاته وفق مركز السيولة وتكلفة الأموال وهيكل الودائع والقروض وخطته فى إدارة الأصول والالتزامات.
إذا رفع البنك المركزى الفائدة، فمن المتوقع أن تتحرك أولًا المنتجات المتغيرة المرتبطة بسعر الإيداع أو سعر الكوريدور وفق شروطها، وقد تعيد البنوك تسعير بعض الحسابات والودائع والشهادات الجديدة. لكن إصدار شهادة ثابتة بعائد مرتفع غير متوقع، لأن البنك سيلتزم بدفع هذا العائد طوال مدة الشهادة، حتى إذا انخفضت أسعار الفائدة لاحقًا. وكلما طالت مدة الشهادة ارتفعت مخاطر التكلفة على البنك.
قد تلجأ بعض البنوك إلى شهادة جديدة، ولكن سوف يكون فى متوسط أسعار الفائدة الموجود فى السوق المتغيرة تقترب من 20% والثابتة تقترب من 18% ولمدة ثلاث سنوات.
أما إذا ثبت البنك المركزى الفائدة، وهو الاحتمال الأقرب، فسوف تتراجع دوافع إطلاق شهادة جديدة. وقد تفضل البنوك الاحتفاظ بالمنتجات القائمة أو إجراء تعديلات محدودة على ودائع وحسابات موجهة لشرائح معينة بدلًا من إصدار شهادة استثنائية واسعة النطاق.
كلام الصورة: صورة للبنك المركزى المصرى وعملاء بالبنوك
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض