حكم عدم سداد الأجرة المتفق عليها بعد انتهاء العمل
حكم عدم الوفاء بكامل الثمن المتفق عليه بعد انتهاء العمل من المسائل التي قد يواجهها البعض في معاملاتهم اليومية، خاصة عندما يكتشف أحد طرفي الاتفاق أن السعر المتفق عليه أعلى من السعر المعتاد في السوق.
وفي فتوى حديثة، حسمت دار الإفتاء المصرية الحكم في واقعة شخص اتفق مع صانع على إعداد مفتاح جديد لسيارته مقابل 400 جنيه، رغم أن قيمته في تقديره لا تتجاوز 100 جنيه، ثم دفع له 200 جنيه فقط، متسائلًا عن مدى لزوم سداد باقي المبلغ.
دار الإفتاء: الاتفاق الصحيح يلزم طرفيه
وأكدت دار الإفتاء المصرية، في فتوى رقم 9027 بتاريخ 12 يوليو 2026، صادرة عن فضيلة الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، أن الاتفاق على صنع مفتاح للسيارة مقابل أجرة معلومة يُعد عقدًا صحيحًا، سواء اعتُبر إجارة على عمل أو من قبيل الاستصناع.
وأوضحت أن الحكم في الحالتين واحد، وهو وجوب الوفاء بالعوض المتفق عليه بعد إتمام العمل وتسليمه؛ لأن العقود الصحيحة تقوم على التراضي بين أطرافها، فإذا تم الاتفاق على الأجرة ثم أُنجز العمل المتفق عليه، استقرت الأجرة في ذمة من طلب العمل.
هل يجوز عدم دفع باقي المبلغ لأن السعر مرتفع؟
وأجابت دار الإفتاء عن حكم عدم الوفاء بكامل الثمن المتفق عليه بعد انتهاء العمل بأن مجرد كون الأجرة أعلى من أجرة المثل لا يسقط وجوب الوفاء بها، ما دام الاتفاق قد تم عن علم ورضا من الطرفين.
وأوضحت أن مجرد وجود فرق بين السعر المتفق عليه والسعر المعتاد لا يُعد غبنًا مؤثرًا في صحة العقد، ما لم يكن هذا الفرق ناتجًا عن تدليس أو استغلال جهل أحد الطرفين بالقيمة الحقيقية.
وبناءً على ذلك، فإذا كان الشخص يعلم أن تكلفة العمل المعتادة أقل، ومع ذلك قبل دفع المبلغ المتفق عليه، ثم قام الصانع بإنجاز العمل وتسليمه، فلا يجوز له بعد ذلك أن يعدل عن الاتفاق من تلقاء نفسه.
«أوفوا بالعقود».. أصل شرعي للالتزام بالاتفاق
واستندت دار الإفتاء إلى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، مؤكدة أن العقود التي تُبرم بصورة صحيحة ومستوفية لأركانها وشروطها تكون لازمة لأطرافها، ويجب الوفاء بما تضمنته من حقوق والتزامات.
وأوضحت أن الأمر بالوفاء لا يقتصر على العقود المتعلقة بالمعاملات الكبيرة، وإنما يشمل مختلف الاتفاقات الصحيحة التي تنشأ عنها حقوق والتزامات بين الناس.
متى تستقر الأجرة في ذمة العميل؟
وبيّنت دار الإفتاء أن الأجرة تكون واجبة متى تم استيفاء المنفعة أو إنجاز العمل المتفق عليه، وفي الواقعة محل السؤال تحقق ذلك بالفعل، بعدما قام الصانع بإعداد مفتاح السيارة وتسليمه وفق المطلوب.
ولذلك لا يُرجع إلى أجرة المثل في هذه الحالة؛ لأن الأجرة قد سُمّيت واتفق عليها الطرفان من البداية، وإنما يُرجع إلى أجرة المثل في حالات أخرى، مثل عدم تحديد الأجرة أو فساد التسمية أو تعذر العمل بها لسبب معتبر.
وأكدت الفتوى أن حكم عدم الوفاء بكامل الثمن المتفق عليه بعد انتهاء العمل يترتب عليه بقاء المبلغ المتبقي دينًا في ذمة العميل، طالما أن العقد كان صحيحًا والعمل قد تم على الوجه المتفق عليه.
ما المقصود بأجرة المثل؟
وأوضحت دار الإفتاء أن أجرة المثل هي الأجرة المعتادة لمثل هذا العمل أو المنفعة في الظروف المماثلة، إلا أن وجود فرق بين الأجرة المتفق عليها وأجرة المثل لا يعني تلقائيًّا بطلان الاتفاق أو سقوط الالتزام به.
فإذا كان الشخص على علم بالسعر المعتاد، ثم اختار التعامل مع هذا الصانع وقبل السعر الذي عرضه، فقد تحقق التراضي بين الطرفين، ولا يكون مجرد ارتفاع السعر سببًا كافيًا للتراجع عن الالتزام.
الغبن المؤثر.. متى يكون السعر محل إشكال؟
وفرّقت دار الإفتاء بين مجرد ارتفاع السعر وبين الغبن المؤثر، موضحة أن الزيادة التي يُعتد بها شرعًا تكون مرتبطة باستغلال جهل الطرف الآخر بالقيمة الحقيقية أو وقوعه تحت تأثير التدليس ونحوه.
أما إذا كان المتعاقد يعرف قيمة العمل أو كان يستطيع السؤال والمقارنة واختيار عدم التعاقد، ثم وافق على السعر بإرادته، فإن مجرد ارتفاعه عن السعر المعتاد لا يسقط عنه الالتزام بما تم الاتفاق عليه.
دار الإفتاء تحسم الواقعة
وبتطبيق ذلك على الواقعة المذكورة، أكدت دار الإفتاء أن الشخص اتفق مع صانع المفاتيح على مبلغ 400 جنيه، ثم أُنجز العمل وسُلّم المفتاح، ولذلك فإن الأجرة المتفق عليها قد استقرت في ذمته.
وعليه، فإن دفعه 200 جنيه فقط لا يبرئ ذمته من باقي المبلغ، ويلزمه الوفاء بالـ200 جنيه المتبقية التي التزم بها، حتى لو كان يرى أن قيمة صناعة المفتاح في الأصل أقل من المبلغ الذي اتفق عليه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

