أحاديث تحذر من أكل أعراض الناس.. ما هي الغيبة المحرمة؟
الغيبة من الأخلاق التي حذّر منها الشرع الإسلامي بشدة، لما تسببه من إيذاء للآخرين والنيل من أعراضهم، حتى وإن كان ما يُقال عن الشخص الغائب صحيحًا، وأوضحت دار الإفتاء المصرية حقيقة الغيبة المحرمة شرعًا، مبينة الفرق بينها وبين البهتان، وحكمها في القرآن والسنة والإجماع.
ما هي الغيبة المحرمة؟
جاء ذلك في فتوى سابقة لدار الإفتاء المصرية، للدكتور شوقي إبراهيم علام، مفتي الجمهورية السابق، حيث أوضحت أن الغيبة هي أن يتحدث الإنسان عن شخص غائب مستور بما يكرهه لو سمعه.
وبيّنت دار الإفتاء أن ذكر الإنسان بما فيه مما يكره، سواء تعلق ذلك بدينه أو دنياه أو أهله أو ماله أو ولده أو زوجه أو غير ذلك مما يتصل به، يدخل في الغيبة، سواء كان هذا الذكر بالكلام أو الكتابة أو الإشارة أو الرمز.
أما إذا ذُكر الشخص بما ليس فيه، فإن ذلك لا يسمى غيبة، وإنما هو بهتان؛ لأن المتحدث في هذه الحالة ينسب إلى الشخص أمرًا غير موجود فيه.
الغيبة قد تكون بالإشارة وليس بالكلام فقط
وأشارت الفتوى إلى أن الغيبة لا تقتصر على الألفاظ المنطوقة، وإنما قد تقع أيضًا بالكتابة أو الإشارة بالعين أو الرأس أو اليد أو غير ذلك من الوسائل التي يفهم منها الانتقاص من الشخص الغائب.
ونقلت دار الإفتاء عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري أن ذكر الإنسان بما فيه مما يكرهه يعد غيبة محرمة، سواء أكان ذلك باللفظ أم الكتابة أم الإشارة.
وهذا يعني أن العبرة ليست بطريقة التعبير، وإنما بحقيقة ما يتضمنه من ذكر الشخص الغائب بما يكره لو علم به.
ماذا قال القرآن عن الغيبة؟
أكدت دار الإفتاء أن الأصل في تحريم الغيبة ثابت بالقرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع العلماء.
ومن أبرز الأدلة القرآنية قول الله تعالى:﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12].
وأوضحت الفتوى أن القرآن الكريم شبّه الغيبة بأكل لحم الأخ الميت، في صورة شديدة الدلالة على قبح هذا الفعل وتحريمه، فالإنسان بطبيعته يكره أكل لحم أخيه ميتًا، وكذلك ينبغي أن يكره اغتيابه في حياته، ونقل الإمام الطبري في تفسيره أن الله تعالى حرّم على المؤمن أن يغتاب المؤمن، كما حرّم أكل الميتة.
أحاديث تحذر من أكل أعراض الناس
ولم يقتصر التحذير من الغيبة على القرآن الكريم، بل جاءت السنة النبوية بأحاديث شديدة في التحذير من الوقوع في أعراض الناس.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَمَّا عرج بي ربي مررت بقومٍ لهم أظفارٌ من نحاسٍ، يخمشون وجوههم وصدورهم. فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم النَّاس، ويقعون في أعراضهم»، أخرجه أبو داود في "السنن"، والإمام أحمد في "المسند".
كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ أكل لحم أخيه في الدنيا، قُرِّبَ إليه يوم القيامة، فيُقَالُ له: كُلْهُ حيًّا كما أكلته ميتًا؛ فيأكله، ويكْلَحُ ويصيحُ»، رواه الإمام الطبراني في "المعجم الأوسط".
هل الغيبة من الكبائر؟
وبيّنت دار الإفتاء أن الوعيد الوارد في الأحاديث المتعلقة بالغيبة يدل على خطورة هذا الذنب، ونقلت عن الحافظ ابن حجر العسقلاني قوله إن هذا الوعيد يدل على أن الغيبة من الكبائر.
كما نقل الإمام النووي الإجماع على تحريم الغيبة والنميمة، حيث قال في كتابه "الأذكار": «هما محرمتان بإجماع المسلمين».
وعدّها العلامة ابن حجر الهيتمي كذلك من الكبائر، مشيرًا إلى أن الغيبة والسكوت عليها رضًا وتقريرًا من الذنوب الكبيرة.
الفرق بين الغيبة والبهتان
ومن المهم التفريق بين الغيبة والبهتان؛ فالغيبة تكون بذكر الشخص بما هو موجود فيه، لكنه يكره أن يُذكر به في غيبته، بينما البهتان يكون بنسب شيء إلى الإنسان ليس موجودًا فيه أصلًا.
وفي الحالتين يقع أذى للآخرين، إلا أن البهتان يجمع إلى الإساءة والانتقاص اختلاق أمر غير حقيقي ونسبته إلى الشخص.
كيف يحفظ المسلم لسانه من الغيبة؟
وتكشف فتوى دار الإفتاء أن حفظ أعراض الناس ليس أمرًا شكليًّا في الإسلام، وإنما هو جزء من منظومة الأخلاق التي شدد الشرع على الالتزام بها، ولذلك ينبغي للمسلم أن يتوقف قبل الحديث عن الآخرين، وأن يسأل نفسه: هل يرضى هذا الشخص أن أذكره بهذا الكلام لو كان حاضرًا؟
فإذا كان الجواب بالنفي، وكان الكلام يتضمن ذكرًا له بما يكره، فعلى المسلم أن يمسك لسانه، وألا يجعل المجالس أو المحادثات أو وسائل التواصل الاجتماعي بابًا للوقوع في الغيبة.
وبذلك يتضح أن الغيبة ليست مجرد حديث عابر عن الآخرين، بل ذنب حرّمه القرآن والسنة، ونقل العلماء الإجماع على تحريمه، لما فيه من انتهاك لأعراض الناس والإساءة إليهم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

