شائعات أفضت إلى القتل
«جرائم الشرف» ﻃﻌﻨﺔ ﻓﻰ ﺻﺪر اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ
«آية» فقدت حياتها على يد شقيقها.. وزوج يقتل زوجته بسبب فيديوهات وهمية
دراسة علمية: 79% من الجرائم ترتكب بسبب الشك فى السلوك
خبراء: منصات التواصل الاجتماعى أسهمت فى زيادة الجرائم بالتحريض وتدعيم الشكوك
فى المسافة الفاصلة بين خفقة قلب تبحث عن الحياة وبين سكين يُشهر تحت غطاء «الشرف»، تتشكل مأساة أليمة لا تقتصر على لحظة اعتداء خاطفة، بل تمتد عبر مسار من الخوف والسيطرة والتواطؤ المجتمعى، بجريمة تُرتكب تحت عباءة «الشرف» لا تبدأ فى لحظة سفك الدم، بل تبدأ يوم أن تُحرم المرأة من حريتها، ويوم أن يتبرع القريب بمحاكمتها أخلاقياً، وتتحول الشائعة الرقمية أو الهمسة العابرة بين الجيران إلى قرار بالإعدام يُنفذ داخل الغرف المغلقة.
خلف البيانات الأمنية المقتضبة والكلمات الجافة التى تتناقلها اﻷخبار، توجد أجساد حية، وأحلام أُطفئت، ونساء وفتيات عشن اللحظات الأخيرة فى ذهول وقهر قبل أن يُطوى ذكرهن تحت عباءة ادعاءات تُصاغ لغسل يد الجانى وتبرير ما لا يمكن تبريره باسم «جريمة شرف».
مأساة فتاة التمريض
كانت آية رضوان، الطالبة بمعهد التمريض التى لم تتجاوز عامها السادس عشر، ترسم أولى خطواتها نحو المستقبل بتعلم مداواة جراح الآخرين، ولكنها لم تكن تعلم أن جرحها سيكون غائراً، وسينتهى بالموت، بدأت الحكاية ببيان تغيب حررته أسرتها بمركز الصف بمحافظة الجيزة عقب اختفائها المفاجئ، لتستنفر الأجهزة الأمنية وتبدأ رحلة البحث التى انتهت بالعثور على الفتاة فى محافظة الإسكندرية.
عادت آية إلى أسرتها، وظن كثيرون أن القصة انتهت بإغلاق البلاغ الأمنى، لكن العودة إلى المحيط الأسرى لم تكن سوى البداية لمأساة أشد قسوة، داخل جدران المنزل بقرية الشوبك الشرقى، تصاعدت الضغوط وتضخمت المخاوف من «كلام الناس» وما يمكن أن يلتصق بسمعة العائلة من أقاويل، وفى غضون ساعات قليلة من العودة، تحول شقيقها من سند وحارس إلى خصم وقاتل، حيث أقدم على إنهاء حياتها بدم بارد.
مجزرة الشوش بسوهاج
فى أغسطس 2026 لم يكن عامل البناء المغترب يدرك وهو يعمل بعيداً عن مسقط رأسه مساكن الشوش فى محافظة سوهاج أن شاشة هاتفه ستصبح السلاح الأكثر فتكاً بحياة زوجته وأسرته، حيث بدأت الفاجعة حين تلقى رسائل ومقاطع إلكترونية من حسابات وهمية ومجهولة، تدعى وجود علاقة غير شرعية بين زوجته وشابين من أهالى القرية، دون تأكد أو انتظار مسار العدالة والقانون، سيطر الغضب على الزوج فعاد إلى بلده بخطة انتقام عاجلة، وأقدم على قتل زوجته داخل مسكنهما، ثم تتبع الشابين وأنهى حياتهما فى حادثة هزت الرأى العام.
وعلى الرغم من منشورات التأييد التى اندلعت على منصات التواصل اﻻجتماعى تمدح فعلته، كشفت التحقيقات ومنازعات الفحص الفنى لاحقاً عدم وجود أى مواد أو أدلة ثبوتية على الأجهزة المسحوبة، لتتضح الحقيقة المرة فى كون الجريمة بُنيت على شائعة إلكترونية خبيثة اُستخدمت ذريعة لإراقة الدماء، مستغلة الهوس المجتمعى بما يُسمى «الشرف» لتنفيذ جريمة إعدام بلا دليل.
حجر النواتية بالإسكندرية
فى نفس الشهر وفى أقصى شمال البلاد حيث مدينة الإسكندرية وداخل شقة سكنية هادئة فى حى حجر النواتية، عاشت الضحية الثلاثينية أسبوعاً من الرعب والاحتجاز القسرى الممتد، عندما أقام شقيقاها محكمة أهلية داخل جدران البيت، ونصبا نفسيهما قضاة وجلادين لتحديد مصير شقيقتهما إثر شكوك ادعيا أنها تمس «سمعة العائلة»، متذرعين فى التحقيقات بوجود زيجات غير رسمية وشبهات حول حياتها الخاصة.
لم يكتفِ الشقيقان بحرمانها من حريتها، بل قاما بتقييدها بالسلاسل الحديدية واحتجازها أياماً متواصلة دون طعام، حتى فاضت روحها متأثرة بالاعتداء والضرب المبرح، وعندما دخلت الأجهزة الأمنية مسرح الجريمة، عثرت على الجثة مقيدة ومكبلة، فى مشاهد تروى قسوة النزعة الذكورية التى تمنح الأشقاء حق تصفية حياة النساء بدعوى حماية السمعة.
ضحية العار الموهوم
سبق ذلك كله واقعة أكثر قسوة فى يوليو من العام الماضى حيث شهدت منطقة أبوالنمرس بالجيزة جريمة تُجسد انعدام الرحمة من قلوب الأقربين، حيث أُهدر دم فتاة عشرينية على يد عائلتها تحت شعار «حماية الشرف». وبدأت المأساة حينما قررت الفتاة الهرب من مسكن أسرتها بحثاً عن السلام بعيداً عن الخلافات المتصاعدة، إلا أن العائلة اعتبرت تصرفها «عاراً»، فاستدرجوها بزعم إنهاء الخلاف وإعادتها لمحيطهم، وبمجرد عودتها اجتمع 6 من أفراد أسرتها على رأسهم والداها وشقيقها والتفوا حولها ليقتلوها بسلاح أبيض، ولم يكتفوا بذلك بل فصلوا رأسها عن جسدها وتخلصوا من الجثة داخل جوال بلاستيكى، وبعد اكتشاف الواقعة أمرت النيابة بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيق، لتظل الواقعة شاهداً على تحول ملجأ الأمان المفترض إلى مقصلة غدر.
الزواج القسرى
وفى مارس 2025، شهد شارع التوحيد بمدينة ملوى بمحافظة المنيا حكاية إنسانية أخرى لامرأة سعت لامتلاك قرارها، فكان العقاب هو الموت، حيث عاشت الضحية صراعاً مريراً للتخلص من زواج سابق عبر رفع دعوى خلع أمام المحاكم، وأثناء المسار القضائى المعقد، ارتبطت عرفياً بشخص آخر، فقرر شقيقها التخلص من العار الذى لحق بالأسرة، فاقتحم منزلها وبدلاً من إقناعها بأن ما فعلته مخالف للشرع والدين، قام بتسديد عدة طعنات قاتلة لجسدها النحيل، وتركها غارقة فى دمائها.
هجمة إلكترونية
وتعليقاً على هذه الوقائع أكدت نهاد أبو القمصان، المحامية ورئيسة المركز المصرى لحقوق لمرأة، أن هناك تصاعداً ملحوظاً فى معدلات الجرائم واستعادة خطاب التحريض ضد النساء عبر منصات التواصل الاجتماعى، مشددة على أن هذه الظاهرة تشكل تهديداً مباشراً لمنظومة العدالة وسيادة القانون فى مصر.
وأوضحت أن الفترة الأخيرة شهدت نشاطاً مكثفاً لصفحات إلكترونية تروج لمفهوم «جرائم الشرف» وتستغل قانون الأسرة كغطاء للتحريض ضد المرأة، مشيرة إلى تقديم بلاغات متعددة ضد هذه الصفحات دون اتخاذ إجراءات رادعة للتصدى لها، مشيرة إلى أن هذه الصفحات تبرر الجرائم وتخلق مناخاً مشجعاً على العنف، كإضفاء أعذار على مرتكبى القتل بحجة «الدفاع عن الشرف».
وأكدت أن القضاء المصرى يستند منذ عقود إلى نصوص قانونية صارمة تُكيف هذه الأفعال بوصفها «جرائم قتل عمد»، ولا يعترف بوجود ما يُسمى «جرائم الشرف» كمبرر للهروب من العقاب، باستثناء الأعذار القانونية المخففة ذات الشروط المشددة والمحدودة جداً.
جرائم متكررة
ورغم أن جرائم الشرف والخيانة الزوجية ليست ظواهر حديثة على المجتمع المصرى، كما يرى الدكتور محمد سيد أحمد، أستاذ علم الاجتماع، بل إنها جرائم قديمة ومتكررة عبر التاريخ. مشيراً إلى وجود متغير جديد فى العصر الحالى وهو الآلية التى تظهر بها الجريمة للرأى العام؛ ففى الماضى كانت هذه القضايا تتناقل فى حدود ضيقة، أو تُنشر فى صفحات الحوادث بالصحف الورقية التقليدية ذات المدى المحدود من القراء، بينما أسهمت منصات التواصل الاجتماعى وفكرة «الترند» فى تسليط الضوء على هذه الوقائع وجعلها فى بؤرة الاهتمام والتداول الجماهيرى.
وشدد الدكتور محمد سيد أحمد على أهمية التمييز بين الخيانة الفعلية الناتجة عن ضبط أحد الطرفين متلبساً، ودواعى «الشك» الذى بات يقود إلى العديد من الجرائم والاتهامات الباطلة التى تكشف التحقيقات لاحقاً عدم صحتها. مشيراً إلى أن الشك قد يكون ناجماً عن مرض نفسى لدى الشخص، أو تتغذى جذوته بفعل التأثيرات الحديثة لمنصات التواصل الاجتماعى.
وأضاف أن «السوشيال ميديا» أحدثت تغييراً فى منظومة القيم والعلاقات التقليدية، حيث أتاح العالم الافتراضى مساحات للتفاعل والتواصل لم تكن موجودة من قبل، كإنشاء علاقات افتراضية وتبادل التعليقات وطلبات الصداقة، ومع تعامل بعض الزوجات بعفوية مع هذه المنصات، وبسبب وجود متطفلين على الإنترنت، تتولد الحساسيات والشكوك لدى الزوج.
ولفت إلى أن الخلافات غالباً ما تتفاقم حين يطلب الزوج حذف تعليقات غير لائقة أو حظر أشخاص سخفاء، وترفض الزوجة ذلك حرجاً أو اعتباراً للخصوصية، ما يحول الأمر إلى صدام أسرى قد يمتد إلى مشادات عنيفة تقود فى النهاية إلى وقوع الجريمة أو ارتفاع معدلات الطلاق.
تفكيك بنية القتل باسم «الشرف»
تأتى قضايا القتل المزعوم بـ«حماية الشرف» فى صدارة ملفات حقوق الإنسان التى طرحها «مركز قضايا المرأة المصرية»، فى محاولة جادة لدفع عقول الأمة والقائمين على مصالحها لفتح حوار مجتمعى واسع ومفتوح عن هذه المأساة التى تكتوى بنارها النساء والمجتمع على حد سواء، ومن خلال تجميع وتحليل مجموعة من الأحكام القضائية الصادرة فى مختلف المحافظات لرصد كيفية تعامل العدالة مع الجناة، وكشفت الأرقام أن «الشك فى السلوك» وحده يتصدر قائمة الدوافع بنسبة حاسمة بلغت 79% من إجمالى الأسباب، بينما لم تتعدَّ نسبة اكتشاف الخيانة الفعلية أو اعتراف الضحية بها 9%، واحتلت رغبة الجانى فى التستر على علاقته بعشيقته أو عشيقة أحد أقاربه نسبة 6%، متساوية مع أسباب أخرى معقدة كرفض زواج الأم العرفى أو لمحاولة التغطية على جرائم اعتداء جنسى واغتصاب محارم ارتكبها الأب أو الأخ بحق الضحية، وتتجلى المأساة فى أن رد فعل الجانى تجاه الشك لم يكن سوى القتل العمد بنسبة 90%، بينما اقتصرت الـ10% المتبقية على الشروع فى القتل لأسباب خارجة عن إرادة الجانى، ما يعنى أن مجرد الهواجس والظنون الفردية أصبحت سبباً لاستباحة الدماء.
ويقع الزوج فى صدارة الجناة بنسبة 41% فى جرائم القتل المبنية على الشك، تليها جريمة قتل الابنة بنسبة 34%، ثم قتل الأخت بنسبة 18%، وقتل أحد الأقارب بنسبة 7%، ويمثل هذا التدرج كيف يفرض المجتمع على الزوج أولاً ثم الأب والأخ التزاماً ذكورياً بغسل ما يُعتقد أنه «عار».
الدستور والقانون
الغريب فى الأمر أن بعض النصوص القانونية تحمل فى طياتها ملامح عنف غير مباشر ضد المرأة حين تغلظ العقوبة عليها وتخففها عن الرجل فى الفعل ذاته، يأتى هذا فى الوقت الذى ينص فيه الدستور فى مادته الحادية عشرة على التزام الدولة بحماية المرأة من جميع أشكال العنف، وتطبيق المواد الجنائية الرادعة كالمادة 230 الخاصة بالقتل العمد، إلا أن التطبيق العملى يواجه ثغرات بالغة الأثر، وتستمر المطالبات الحقوقية والمدنية بضرورة مراجعة المادة الـ237 من قانون العقوبات، التى تمنح الزوج استثناءً خافضاً للعقوبة عند مفاجأة زوجته متلبسة بالزنا، لما يشكله هذا النص من منفذ ذريعى يتذرع به القتلة لتبرير أفعالهم، إن القضاء على هذه الوقائع لا يتطلب فقط القبض على الجناة عقب إراقة الدماء والتحقيق معهم، بل يتطلب بناء منظومة وقائية متكاملة، وقانوناً موحداً يضمن الحماية العاجلة، ويوفر الملاذات الآمنة للنساء والفتيات المهددات، ويقطع الطريق على الشائعات والضغوط المجتمعية قبل أن تتحول إلى سكاكين تُسلط على رقاب الأبرياء.
حرام شرعاً
من الناحية الدينية أكد الشيخ على المطيعى، العالم بالأزهر الشريف، أنه لا يحق شرعاً ولا قانوناً للزوج أو الأخ أو الأب أن يقتل كل منهم الزوجة أو الأخت أو الابنة بدم بارد لمجرد ادعاء الزنا، مشدداً على أن النفوس معصومة بحكم الله تعالى الذى قال فى كتابه الكريم: (وﻻ تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق).
وأوضح المطيعى لـ«الوفد» أنه ليس من حق أى إنسان أن ينسب لنفسه دور «المدعى والقاضى والجلاد» فى آن واحد، مشيراً إلى أن توقيع العقوبات والقصاص هو اختصاص أصيل لـ«ولى الأمر» والمتمثل فى القضاء وحده، وليس لأى فرد أن يتغول على سلطة الدولة والقانون.
وأضاف العالم فى الأزهر الشريف أن الشريعة الإسلامية لم تُبح لأى مخلوق أن يزهق روح مخلوق آخر بغير حق، وأن الشرع وضع إجراءات وضوابط مشددة لإثبات الشبهات، كتوافر الشهود الأربعة أو اللعان، ولم يجعل الحل أبداً فى أن يستبيح الزوج دم زوجته. وأشار إلى أنه فى حال استعصت الحياة بين الزوجين، فالحل الشرعى هو التسريح بالمعروف.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض