رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى الساعات الأولى من صباح العاشر من يوليو 1923، دوت ثلاث طلقات فى ممر فندق سافوى فى لندن. وسقط الوجيه المصرى الثرى على كامل فهمى بك مرتدياً ثوب نومه، بينما وقفت زوجته الفرنسية مارغريت ميلر بالقرب منه، وعلى السجاد مسدس «براوننغ» وثلاثة أظرف فارغة. لم تنكر المرأة فعلتها؛ قالت للطبيب إنها ضغطت الزناد ثلاث مرات. وبدت القضية، للوهلة الأولى، أقصر طريق إلى حبل المشنقة.

لكن الجريمة الواضحة تحولت، بعد شهرين، إلى واحدة من أغرب المحاكمات فى تاريخ محكمة «أولد بيلى» الشهيرة. دخل السير إدوارد مارشال هول، أشهر محامى عصره، القاعة لا لينكر القتل، بل ليغير موضوع المحاكمة ذاته. لم يعد السؤال: من أطلق النار؟ بل: أى رجل كان على فهمى، وأى خوف دفع زوجته إلى إطلاق النار عليه؟

استخرج هول من رسائل الزوجين صورتين متناقضتين: عاشقاً يصف مارغريت بأنها نور حياته، وزوجاً يتحدث عن «تدريبها» بالقسوة وإلزامها باحترام رغباته. وقدم وثيقة كانت قد أودعتها لدى محامٍ فى القاهرة، قبل الجريمة، تتهم فيها زوجها سلفاً بأنه سيكون مسئولاً إذا ماتت ميتة عنيفة. ثم جعل المسدس نفسه شاهداً للدفاع؛ شرح خبير للمحلفين كيف تدخل الطلقة التالية آلياً إلى موضع الإطلاق، وكيف يمكن ليد مذعورة أن تطلق طلقات متتابعة قبل أن تعى ما حدث.

غير أن براعة الدفاع لم تقف عند حدود القانون. استدعى مارشال هول صورة «الشرقى الهمجى» الراسخة فى المخيلة الاستعمارية البريطانية، وصور مارغريت امرأة أوروبية محاصرة فى كابوس شرقى. ومثل أمام المحلفين لحظة الهجوم المزعومة، ممسكاً بالمسدس ومنقضاً بجسده، حتى لم يعودوا يشاهدون دليلاً، بل يعيشون المشهد الذى أخرجه لهم.

وخلف المحاكمة ظل سر آخر. فقد كانت مارغريت قد ارتبطت، فى باريس سنة 1917، بإدوارد أمير ويلز، الذى أصبح لاحقاً الملك إدوارد الثامن، واحتفظت برسائل حميمة منه. ورأى المؤرخ أندرو روز أن الخوف من ظهور تلك الرسائل ربما أسهم فى إبقاء ماضيها بعيداً عن المحكمة. وهى فرضية مثيرة بحثتها لكتابى المقبل عن هذه الجريمة، لا حقيقة قضائية محسومة؛ فالرسائل لم تصل إلينا مجموعة كاملة، ويبدو أن معظمها فقد أو أتلف.

بعد مداولة قاربت ساعة، عادت هيئة المحلفين بحكم البراءة من القتل العمد، ثم من القتل الخطأ أيضاً. ضجت القاعة بالتصفيق، وخرجت مارغريت حرة.

قد يكون على فهمى قد أساء إلى زوجته، وقد يكون خوفها حقيقياً؛ لكن العدالة لا تستقيم حين تتحول خطايا رجل إلى إدانة لوطن وحضارة. كانت «الرصاصة الرابعة» مرافعة شحنتها مخيلة استعمارية، فأصابت سمعة قتيل أعجزه الموت عن الدفاع عن نفسه، وقد تنهزم الحقيقة أحياناً حين يتسلح التمييز العنصرى والتحيز الثقافى بسحر البلاغة وقوة البيان.