شهدت مختلف المحافظات المصرية خلال السنوات الأخيرة سلسلة متلاحقة من حوادث تجريف الأشجار والحدائق العامة، والتي يعكس تتابعها إصراراً مريباً يتجاوز حالات الصدفة أو الصيانة العادية إلى نمط متكرر وممتد على مستوى البلاد.
في محافظة القاهرة، طالت أعمال التجريف أحياءً تاريخية كاملة اعتادت أن تكون الأكثر خضرة، حيث قُطعت مئات الأشجار المعمرة في حي الزمالك، من بينها أشجار اللبخ والفيكس المورقةالضخمة بشارعي أبوالفدا وأم كلثوم، إلى جانب التجريف الواسع الذي شهدته أحياء مصر الجديدة والنزهة ومدينة نصر لحساب توسعات الطرق وإنشاء الكباري، والذي تسبب في إزالة مساحات شاسعة من الأشجار المورقة التي يزيد عمرها على ثمانين عاماً، فضلاً عن تقليص حدائق تاريخية مثل حديقة الميريلاند واستقطاع أجزاء منها لبناء منشآت ومحلات تجارية.
وفي محافظة الجيزة، تكرر السيناريو ذاته في أحياء الدقي والعجوزة والهرم، فأزيلت الأشجار الممتدة على طول كورنيش النيل وفي شارعي السودان وأحمد عرابي، بالإضافة إلى حوادث تقليم وتجريف جائرة داخل حدائق تاريخية ومحيطها كحديقتي الأورمان والحيوان بالجيزة، والتي أثارت موجات غضب واسعة بين السكان المحليين نظراً لندرة الفصائل النباتية الموجودة بها وتاريخها الذي يرجع لعهد الخديوي إسماعيل.
ولم تكن المحافظات الساحلية والأقاليم بعيدة عن هذا المسار، ففي الإسكندرية جرى تقليص المساحات الخضراء واقتلاع العديد من الأشجار المعمرة في حدائق المنتزه التاريخية، إلى جانب قطع الأشجار الممتدة على طول طريق الحرية (أبو قير) ومناطق محرم بك والشاطبي. وفي محافظة الإسماعيلية، شهد شارع محمد علي التاريخي اقتلاع أشجار معمرة تجاوزت أعمارها مائة عام كانت تشكل نفقاً أخضر يُميز المحافظة. كما امتدت هذه العمليات لتشمل محافظات الدلتا والصعيد، مثل المنوفية والشرقية وأسيوط وسوهاج، حيث تم تجريف الشوارع الرئيسية والميادين العامة من ظلها الطبيعي لصالح أعمال التبطين أو الرصف وتوسعة المحاور السطحية.
تكمن خطورة هذه الحوادث المتتابعة في أن الإصرار على القطع والتجريف يتبعه غالباً صمت رسمي تام عن إعلان الأسباب، أو الاكتفاء ببيانات لاحقة تنفي المسئولية دون إعادة غرس الشجر أو محاسبة الجهة المنفذة. هذا النمط المتكرر هو ما عزز الشكوك لدى الشارع المصري حول وجود دوافع تجارية مستترة لبيع خشب هذه الأشجار المعمرة واستخدامه في صناعة الفحم الخشبي الموجه للتصدير، أو تحويل المساحات الخضراء المجانية إلى منافذ ومحلات استثمارية ربحية.
وفي بلد ذي طبيعة صحراوية ومناخ شديد الحرارة، تؤدي هذه القرارات إلى تجريد المدن من وسيلتها الطبيعية الوحيدة لتخفيض درجات الحرارة وإنتاج الأكسجين، مما يتطلب تشريعات عاجلة تُجرم هذه الحوادث وتخضع المتسببين فيها للمحاسبة الجنائية والبيئية المباشرة. فهذه الأشجار ليست مجرد نباتات تزين الشوارع، بل كانت جزءاً من تاريخ المنطقة وذاكرة ناسها الذين عاشوا واستظلوا بها. اقتلاع هذه الأشجار المعمرة جريمة في حق البيئة والمواطن، والأسوأ من ذلك هو الصمت الرسمي وعدم مصارحة الناس بالأسباب الحقيقية وراء هذا القطع.
غياب التوضيح والصراحة من جانب المسئولين يفتح الباب واسعاً للشائعات والتكهنات. حيث يبدأ الناس في تداول أسئلة وتفسيرات مختلفة: هل نضحي بالشجر من أجل توسعة الطرق فقط؟ أم لرغبة البعض في بناء كافيهات ومحلات تجارية لتحقيق أرباح سريعة؟ بل ويتساءل الكثيرون بحسرة: هل تُقطع هذه الأشجار الضخمة بناءً على صفقات وتفاهمات لبيع أخشابها الصلبة وتصنيع الفحم الخشبي وتصديره إلى البلاد المجاورة؟ إن خشب الأشجار المعمرة يُعد خاماً ثميناً للفحم عالي الجودة، وغياب الإجابات المباشرة يجعل الناس يرجحون أن ثروة مصر الخضراء تُباع وتتحول إلى فحم لمصلحة جهات أو أفراد لا يهمهم سوى الكسب السريع. عندما تغيب الحقيقة، يشعر المواطن أن هناك استهانة بحقه في بيئة صحية، ويتحول الأمر إلى حالة من الغضب والتساؤل المستمر: لمصلحة من يحدث كل هذا؟
الشوارع المشجرة في البلاد الحارة ليست رفاهية، فتحويل هذه الشوارع إلى مساحات جرداء يزيد من سخونة الجو ويجعل سير المشاة في الصيف معاناة حقيقية. التصرف بهذه الطريقة يجعل المواطن يشعر وكأن القائمين على تنفيذ هذه القرارات يتصرفون كأعداء للبيئة وللشعب في وقت واحد.
إذا نظرنا إلى تاريخ مصر، نجد أن احترام الشجرة كان جزءاً أصيلاً من ثقافة الدولة والمجتمع. في مصر القديمة، كان اقتلاع الأشجار المثمرة أو قطع النخيل يُعد خطيئة بصرية وأخلاقية يُحاسب عليها الإنسان، وكانت البرديات تسجل غرس الأشجار وتوقيرها كرمز للحياة. وفي التاريخ الحديث، وتحديداً في عهد الخديوي إسماعيل، تم استيراد أشجار "الفيكس المتقزم" و"الجاكرندا" و"اللبخ" من مختلف أنحاء العالم لتشجير شوارع القاهرة والجيزة وتأسيس حدائق تاريخية مثل حديقة الأورمان وحديقة الحيوان وحديقة الأزبكية لتكون رئة للأجيال القادمة. وفي منتصف القرن العشرين، كانت الدولة تفرض حراسة ونظاماً صارماً يمنع أي مواطن أو مسؤول من المساس بشجرة في الشارع العام دون ترخيص بيئي معقد ومبرر قهري. أما ما يحدث في السنوات الأخيرة فهو تراجع غريب، حيث رأينا اقتلاعاً لأزهار وأعشاب حدائق تاريخية، وتقليصاً للرقعة الخضراء في حديقة الخالدين بالميرغني وفي أجزاء من حدائق المنتزه بالإسكندرية واستبدالها بالخرسانة والمحلات.
في المقابل، تجسد التجارب العالمية كيف تتعامل الدول الواعية مع الشجرة وثروتها الخضراء. في بريطانيا على سبيل المثال، توجد قوانين تُعرف بأوامر الحفاظ على الأشجار، تمنع قطع أو تقليم أي شجرة معمرة حتى لو كانت داخل ملكية خاصة للمواطن إلا بإذن حكومي، وتصل غرامة قطع شجرة واحدة بدون ترخيص إلى آلاف الجنيهات الإسترلينية. وفي الهند، قامت إحدى المحاكم العليا بتعديل مسار طريق سريع وتغيير التصميم الهندسي بالكامل للالتفاف حول شجرة "تاماغوندام" المعمرة احتراماً لقيمتها البيئية. وعلى العكس من ذلك، يقدم التاريخ دروساً قاسية عن أضرار إزالة الشجر؛ ففي ثلاثينيات القرن الماضي شهدت الولايات المتحدة أزمة قصعة الغبار (Dust Bowl) عندما قامت الدولة بإزالة الغطاء النباتي والأشجار والأعشاب الصحراوية للتوسع في الزراعة والعمران غير المدروس، فكانت النتيجة عواصف ترابية هائلة دمرت الزراعة وشردت مئات الآلاف وتسببت في خسائر اقتصادية وبيئية كارثية لم تتعافَ منها البلاد إلا بعد إعادة زراعة ملايين الأشجار كمصدات للرياح.
صدور تعليمات متأخرة بمنع قطع الأشجار لا يكفي ولا يداوي الجرح، لأنها تصريحات لا تجيب عن السؤال الأساسي: لماذا قُطعت من الأساس؟ وما هي الأسباب الصريحة التي جعلت مسؤولاً يستسهل إعدام شجرة عمرها قرن؟ كما أنها لا توضح كيف سنعوض المساحات التي تم تصحيرها. تحويل الحدائق العامة إلى محلات وإزالة المساحات الخضراء لاستبدال الجمال بالقبح يعكس غياب المحاسبة، وكأن كل مسؤول صغير يستطيع أن يتخذ قراراً خطيراً دون مراجعة فى شأن يخص الناس وعلى هذه الدرجة من الخطورة .
وتؤكد أبحاث العلماء دائماً أن الأشجار هي خافض الحرارة الطبيعي والدرع الأول لمواجهة التلوث والتغير المناخي، حيث يمكن لشجرة معمرة واحدة أن تخفض درجة حرارة المحيط المباشر بها بمقدار عدة درجات وتوفر أكسجين يكفي لعدة أفراد يومياً. ولذلك، نحن بحاجة عاجلة إلى تشريعات حازمة تحمي الأشجار وتعتبرها ثروة قومية ومحميات داخل المدن، مع فرض عقوبات مغلظة على أي مسؤول أو فرد يتعدى عليها أو يتسبب في إضرارها، حتى نعيد للشوارع وظيفتها وجمالها الطبيعي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض