من التنمية إلى الاستقرار.. كيف توظف مصر عضويتها في بريكس؟
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وما تفرضه التطورات الراهنة من تداخل متزايد بين الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية، تتزايد أهمية التجمعات الاقتصادية الدولية باعتبارها مساحات يمكن من خلالها بناء شراكات جديدة وتعزيز التعاون بين الدول، خاصة في ظل الحاجة إلى صياغة علاقات تقوم على المصالح المتبادلة، وتدعم جهود التنمية، وتسهم في ترسيخ الاستقرار.
ويأتي تجمع بريكس في مقدمة الأطر الاقتصادية التي تحظى بأهمية متزايدة، في ضوء ما يضمه من دول تمتلك ثقلًا اقتصاديًا وإمكانات واسعة، وهو ما يتيح فرصًا أكبر لتطوير مجالات التعاون المشترك، والعمل على تنفيذ مشروعات وبرامج تنموية يمكن أن تمتد آثارها إلى شعوب الدول الأعضاء، وتدعم قدراتها على مواجهة التحديات الاقتصادية المتصاعدة.
وتتحرك الرؤية المصرية تجاه تجمع بريكس انطلاقًا من دعم دوره كإطار للتنمية والتعاون الاقتصادي، مع التأكيد على ضرورة عدم تحويله إلى أداة للاستقطاب الدولي أو استخدامه في مواجهة قوى أو أطراف أخرى. ويعكس هذا التوجه طبيعة السياسة المصرية القائمة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، وتوسيع مجالات التعاون على أساس المصالح المشتركة، بعيدًا عن منطق المحاور والصراعات.
و من جانبه، أكد السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق، أن الرؤية المصرية تجاه تجمع «بريكس» تقوم على الحفاظ على دوره كمساحة للتنمية والتعاون، وعدم الانخراط به في حالة الاستقطاب الدولي، موضحًا أن مصر تنظر إلى عضويتها في التجمع باعتبارها فرصة لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء وتحقيق مصالح مشتركة تخدم شعوبها.
وأوضح العرابي أن كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال قمة «بريكس» عكست بصورة واضحة الموقف المصري، الذي يضع أهداف التنمية وتنفيذ المشروعات التي تخدم مصالح الشعوب في مقدمة الأولويات، مشيرًا إلى أن البعد التنموي يمثل محورًا رئيسيًا في رؤية مصر للتعاون داخل التجمع، بما يضمن أن تتحول الشراكات الدولية إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين ومستوى معيشتهم.
وأشار وزير الخارجية الأسبق إلى أن تجمع بريكس يمتلك مقومات تمكنه من تعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء، في ظل الإمكانات والثقل الاقتصادي الذي تتمتع به هذه الدول، مؤكدًا أن مصر لا تتجه إلى بناء تحالفات تستهدف أطرافًا بعينها، وإنما تعتمد على التوازن الاستراتيجي، وتسعى إلى إقامة علاقات تقوم على المصالح المتبادلة مع مختلف القوى الدولية.
الاقتصاد في قلب العلاقات الدولية
وأضاف العرابي أن التطورات التي يشهدها النظام الدولي تؤكد أن الاقتصاد أصبح أحد العناصر الرئيسية المؤثرة في طبيعة العلاقات بين الدول، لافتًا إلى أن دول «بريكس» لديها القدرة على العمل بصورة مشتركة لإعداد مشروعات وخطط تنموية تستفيد من الإمكانات المتاحة لديها، وتفتح مجالات أوسع للتعاون الاقتصادي بين أعضائها.
وأوضح أن التطورات الدولية خلال السنوات الأخيرة كشفت بصورة أكبر عن الترابط الوثيق بين الاقتصاد والسياسة والأمن، مشيرًا إلى أن عددًا من الصراعات والأزمات الراهنة يرتبط بصورة مباشرة بقضايا الطاقة ومصادر إنتاجها، وسلاسل الإمداد، والممرات المائية، والطرق التجارية، وهو ما يعكس تنامي أهمية المصالح الاقتصادية في حسابات الدول عند التعامل مع الأزمات والملفات الدولية المختلفة.
وأكد السفير محمد العرابي أن التحركات المصرية في علاقاتها مع روسيا والصين والهند وغيرها من الدول تستهدف دعم مسار التنمية وتعزيز الاستقرار، موضحًا أن التنمية والسلام والاستقرار عناصر مترابطة، ولا يمكن التعامل مع أي منها بمعزل عن الآخر في ظل التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات خلال المرحلة الحالية.
مسار الدبلوماسية المصرية
وأشار العرابي إلى أن مصر بدأت مساعيها للانضمام إلى تجمع بريكس منذ عام 2009، معتبرًا أن حصولها على العضوية الكاملة يمثل نجاحًا للدبلوماسية المصرية، ويعكس المسار الذي اتبعته القاهرة لتوسيع نطاق علاقاتها وشراكاتها مع مختلف القوى الدولية.
وأكد أن أهمية العضوية المصرية لا ترتبط فقط بتوسيع دوائر التحرك الخارجي، وإنما بقدرة مصر على توظيف هذه العضوية في دعم أهداف تنموية واضحة، تحقق مردودًا مباشرًا على المواطن، وتفتح مجالات جديدة للتعاون والاستثمار والاستفادة من الإمكانات المتاحة لدى دول التجمع.
وشدد وزير الخارجية الأسبق على أن تحسين مستوى معيشة المواطن يجب أن يظل الهدف الرئيسي لأي مسار تنموي، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم وغيرها من المجالات التي ترتبط بصورة مباشرة بحياة المواطنين، موضحًا أن نجاح التعاون الاقتصادي لا يقاس فقط بحجم الاتفاقيات أو عدد المشروعات، وإنما بما تنتجه هذه الشراكات من آثار ملموسة على حياة الشعوب.
ولفت العرابي إلى أن الاستقرار يوفر بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار وتحقيق التنمية، في الوقت نفسه الذي تسهم فيه التنمية في دعم السلام والاستقرار، بما يجعل العلاقة بين المسارين متبادلة ومتكاملة، مشيرًا إلى أن هذه المعادلة تكتسب أهمية خاصة في ظل الاضطرابات والأزمات التي يشهدها العالم.
وأكد أن المرحلة الراهنة تفرض على الدول البحث عن مسارات جديدة للتعاون، تتيح تحقيق المصالح المشتركة وتقلل من فرص الصراع، مشيرًا إلى أن تعزيز التنمية والتكامل الاقتصادي يمكن أن يمثل أحد المسارات المهمة لدعم الاستقرار، وتحويل العلاقات الدولية من ساحات للتنافس والصدام إلى مجالات أوسع للشراكة وتحقيق المصالح المتبادلة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

