120 مليار جنيه أصول مقابل الديون
من قطاع الأعمال إلى ماسبيرو.. رحلة تسديد فاتورة التعثر
مبادلة المديونيات بالأراضى توقف نزيف التعثر ولا تحل جذور المشكلة
تعود الدولة من جديد إلى واحدة من الآليات التى استخدمتها خلال السنوات الماضية للتعامل مع المديونيات التاريخية للقطاعات والهيئات العامة، وهى مبادلة الديون بالأراضى والأصول، فى محاولة لإغلاق ملفات مالية تراكمت على مدار سنوات، ووقف نزيف الفوائد وغرامات التأخير، وإعادة ترتيب المراكز المالية للمؤسسات المدينة، لتعيد تسوية مديونية ماسبيرو لصالح بنك الاستثمار القومى طرح السؤال مجددا: هل تمثل هذه السياسة حلا اقتصاديا فعليا أم مجرد نقل للمديونيات من دفاتر إلى أخرى مقابل التخلى عن أصول مملوكة للدولة.
وجاءت تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام لدى بنك الاستثمار القومى كأحدث نموذج، بعدما بلغت المديونية قبل التسوية نحو 139.7 مليار جنيه، قبل إعفاء الهيئة من فوائد وغرامات تأخير بقيمة 51.4 مليار جنيه، لتستقر المديونية عند 88.3 مليار جنيه، وشملت آلية التسوية نقل ملكية 44 أصلا غير مستغل، من أراضٍ ومبانٍ، إلى بنك الاستثمار القومى بقيمة 18.06 مليار جنيه، مع تدخل الدولة لتوفير أراض من أملاكها لسداد القيمة المتبقية من المديونية.
وتكشف حالة ماسبيرو أن الفكرة ليست جديدة فى الاقتصاد المصرى، فقد سبق للدولة استخدام الأصول والأراضى فى التعامل مع مديونيات شركات قطاع الأعمال العام، خاصة عندما أصبحت فوائد الديون وغرامات التأخير عبئا يفوق قدرة الشركات على السداد النقدى، وتحولت بعض الالتزامات إلى مديونيات تاريخية بين شركات حكومية وبنوك وجهات عامة، وهو ما دفع إلى البحث عن أصول غير مستغلة يمكن استخدامها فى التسويات.
وفى عام 2005 برزت واحدة من أهم تجارب تسوية مديونيات شركات قطاع الأعمال العام، حيث جرى التعامل مع مديونيات قدرت بنحو 32 مليار جنيه من خلال آليات تضمنت الحصول على أراض مقابل الديون، وهو ما تؤكده تقارير لاحقة عن تطبيق نظام التسوية عبر الحصول على أراض مقابل مديونيات الشركات المتعثرة لدى البنوك العامة.
ولم تتوقف التجربة عند ذلك، ففى عام 2020 أعلنت وزارة قطاع الأعمال العام تسوية مديونيات تاريخية على الشركات التابعة بقيمة تقارب 33 مليار جنيه لصالح جهات حكومية، مستفيدة من ارتفاع قيمة الأراضى غير المستغلة والمستغنى عنها، وشملت التسويات 10.4 مليار جنيه على الشركة القابضة للغزل والنسيج لصالح بنك الاستثمار القومى، إلى جانب مديونيات أخرى على شركات تابعة للقطاع.
كما يؤكد بنك الاستثمار القومى نفسه أن تسوية المديونيات المتعثرة تتم من خلال عدة آليات، من بينها الاستداء العينى بالمبادلة بأصول، مشيرا إلى تسويات شملت الحصول على قطع أراض فى محافظات مختلفة، وهو ما يعكس استمرار استخدام الأصول كأداة لمعالجة التشابكات والالتزامات المتراكمة بين الجهات العامة.

وقال الخبير الاقتصادى خالد الشافعى إن مبادلة الديون بالأراضى والأصول يمكن أن تكون خطوة إيجابية لأنها توقف تراكم الفوائد وتساعد على تنظيف ميزانيات المؤسسات، لكنه حذر من استخدامها دون إعادة هيكلة حقيقية، حتى لا تعود الشركات إلى تكوين ديون جديدة بعد استهلاك أصولها.

من جانبه، قال الخبير الاقتصادى علاء عوض إن المبادلة تكون ذات قيمة اقتصادية عندما تقتصر على الأصول غير المستغلة مع الحفاظ على الأصول المنتجة والاستراتيجية، مؤكدا أهمية التقييم العادل والشفافية، حتى لا تتحول التسويات إلى إهدار لقيمة أصول الدولة.
وتكمن أهمية هذه السياسة فى أنها قد تمنح المؤسسات العامة فرصة لإعادة تشغيل نفسها من دون أعباء تاريخية تثقل ميزانياتها، خاصة عندما تكون المديونية قد تضخمت بفعل الفوائد والغرامات، لكن نجاحها لا يقاس فقط بحجم الديون التى جرى إسقاطها، وإنما بما إذا كانت المؤسسة ستصبح بعد التسوية قادرة على تحقيق إيرادات تغطى نفقاتها وتمنع عودة المديونية مرة أخرى.
وفى المقابل، فإن الخطر يكمن فى تحول الأراضى والأصول إلى مصدر دائم لسداد الديون والنفقات، لأن المؤسسة قد تنتهى فى مرحلة ما إلى فقدان الجزء الأكبر من أصولها دون أن تتغير أسباب الخسائر، وهنا تتحول المبادلة من أداة لإعادة الهيكلة إلى مجرد تأجيل للمشكلة، خاصة إذا جرى استخدام أصول منتجة أو استراتيجية بدلا من الأصول الخاملة وغير المستغلة.
وبين تجربة عام 2005 وما حدث مؤخرا مع ديون ماسبيرو، تبدو الدولة أمام سياسة متكررة عنوانها الديون مقابل الأصول، ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه السياسة فى تنظيف ميزانيات المؤسسات وإطلاقها من جديد، أم أن الدولة تستخدم أصول الماضى لإغلاق فواتير الديون دون معالجة جذور المشكلة؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض