رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

شامخ الشندويلي يكتب: دراسة نقدية لشعر عبده الشنهورى

الشاعر عبده الشنهورى
الشاعر عبده الشنهورى في ندوة شعرية بالاقصر

        يعد الشاعر الكبير عبده الشنهوري قامة في سياق الشعر الشعبي والفن القولي الصعيدي، إذ تميز بوعيه الحاد وثقافته التراثية التي مكنته من تطويع قالب المربع الشعري والموال المربع والمخمس والموال الندمان، ليصوغ من خلالها المأساة الإنسانية والوجدان الجمعي وهموم البسطاء بلغة تتسم بالجزالة البلاغية والجناس المتقن. يقول : 

من بين جــزاير و خِلـجـــان

وافـــاني خِـلِّـي و جـــا زاير 

أنا شُفت ساعة ما خِل جان 

خِلجـــان طَرَحـــت جَـــزاير 

يوظف الشاعر مفردات الجغرافيا (جزاير، خلجان) ليعبر عن حركة وجدانية داخلية، فعبارة "خِل جان" تعني مجيء الحبيب وحلوله، والتي تتناغم مع لفظة "خلجان"، ليتحول اللقاء بين الشاعر وخليله من مجرد زيارة عادية إلى إيناع في الروح، فتطرح الخلجان جزاير خضراء من الفرح والتجدد. وهى بخلا ف جا زاير بمعنى جاء زائراً.

البَدر بدري ما بــ ادريش

الـــبـدر بــدري و لا لا ؟

بدري طلـوعُـه ما بدريش

أنا تُهــت ساعــة ما لا لا

هنا يتلاعب الشاعر بالجناس الناقص والتحريف الإيقاعي بين "بدري" بمعنى الظهور المبكر، و"ما بادريش" أي لا أعلم ولا أدري، والأخرى بدرى بمعنى قمرى ، ولا لا بمعنى لا بينما تأتى لا لا الثانية بمعنى تلألأ ليشكل لوحة من الدهشة الوجدانية أمام انبلاج أنوار الحبيب أو الرؤية المكاشفة، حيث يتداخل الزمن بالإدراك في معزوفة صعيدية متداخلة النغم.

أنا اللي للفقــــر نَســـــبوه 

طول ليلي عيني مانامـت

وانا الفقير اللي ناس ابوه 

تركوه في بير المشـــامِت 

هنا يتكئ الشاعر على جناس بارع بين التجريد والنسبة في "ناس ابوه" أي أهله وعشيرته الذين نسوه وتخلوا عنه، وبين كونه "نسبوه للفقر"، ليرسم صورة قاتمة للوحدة والخذلان الاجتماعي حين يترك الإنسان وحيداً في مواجهة شماتة الآخرين.وتستحضر الصورة رمزيًا قصة النبي يوسف عليه السلام حين ألقاه إخوته في الجُب، لتشير هنا إلى رمي الشاعر في عمق الظلمة والشماتة. لم يكتفِ القريب بالترك والخذلان، بل ألقى بفيضه في بيئة ملأى بأعين الشامتين، مما يحول الفقر المادي إلى فقر عاطفي واجتماعي أشد إيلامًا.

شارد رغيفـَـــك ياغلـــبان

ووراه من الفجر تسعَــى 

و المَح ف وشَّك متَى بان 

شقيان من سِــن تِسعَـــه

وهنا يقدم صورة واقعية مشحونة بالتعاطف الإنساني والاجتماعي مع طبقة العمال والفقراء، إذ يبني تقابله الزمني بين مفارقة السعي اليومي الشاق من الفجر، وبين العناء الممتد منذ الطفولة المبكرة (سن تسعة)، محولاً الرغيف الشارد إلى رمز للمكابدة اليومية التي لا تنتهي ويمتاز النص بنبرة شجية مفعمة بالتعاطف الإنساني والصدق الشعوري. الإيقاع خفيف ومباشر، يناسب طبيعة المادة المعالجة وهي حياة الإنسان البسيط. تتدفق الكلمات بسلاسة لتنقل صورة تجمع بين مرارة الواقع ونبل الكفاح، حيث يستحيل الرغيف رمزًا للكرامة، ويستحيل السعي المبكر وسامًا يتوج وجه الشقاء.

أطوي الأراضي علي الطَي 

مــ الصـــبح لمـــا عشـــايا 

و احمي زناته وبيوت طي 

و أنـام مـن غـير عشــــايا 

الجمال هنا في التلاعب اللفظي المتقن المعتمد على الجناس التام والجناس المركب بين كلمتين مكررتين في أواخر الشطور، وهما "طَي" و"عَشايا".في الشطر الأول، تأتي "الطي" كفعل ومصدر يدل على الإسراع وقطع المسافات الشاسعة ، لتعود الكلمة ذاتها في الشطر الثالث في قوله "بيوت طي" لتشير إلى قبيلة طيء العربية الشهيرة التي يضرب بها المثل في الكرم والشهامة، مما يرفع من قيمة السعي ويجعله سعيًا نبيلًا لا مجرد حركة عابرة.أما اللفظ الآخر فهو "عَشايا"؛ حيث تظهر في الشطر الثاني "لمّا عشايا" بمعنى وقت العشاء أو دخول الليل، بينما تتفكك وتتغير دلالتها في الشطر الرابع "من غير عَشايا" لتصبح اسمًا مضافًا لياء المتكلم تعني طعام العشاء. هذا الجناس المزدوج يخلق إيقاعًا متوازنًا ومدهشًا يطرب الأذن ويعمق المعنى ، وتتحرك الأبيات وفق مفارقة درامية مؤلمة تعكس جوهر العزة في الفقر. لتضع المحامي والحارس والأبيّ في مواجهة الجوع. الفارس الذي يحمي بيوت الكرم والنخوة يبيت طاوياً على الجوع دون أن يشكوه أو يقلل ذلك من قدره. الجوع هنا ليس هواناً، بل هو ضريبة الشرف والعزة، فهو يطوي الأراضي مشياً، ويطوي بطنه جوعاً، دون أن ينحني.

و منين نعَبّي الصُحون فول 

فــ الصُــبح أنا والغـــــــلابَه ؟

بابِك - على الحُــر - مقفـول 

و الأمـــــر فــ ايد الــديابَـه 

يطرح الشاعر صرخة احتجاجية شديدة المباشرة والعمق ضد التهميش والانسداد الاجتماعي، حيث يحول "صحن الفول" الصباحي إلى معادل إنساني للكرامة البسيطة، بينما يرمز بالديابة إلى قوى الاستغلال والسيطرة حيث الباب (مقفول) في وجه الأحرار الشرفاء. فالصوت الشعري وإن كان يتساءل عن طعام الصباح، إلا أنه يعرف تمامًا سبب حرمان أصحاب الهمم، ويسمي الأشياء بمسمايتها دون مواربة. هذا التكثيف الصوري يجعل المربع وثيقة شعورية تصغين لآلام الناس وتنطق بلسان كرامتهم المكلومة.

مـ الفَجر طالِع يصيد عـيش 

وســط الــغـــرابه رغـيفــــه

وينام عــ الطــي والـخــيش 

ويبات مـفـــارِق وَلـيـفُــــــه 

يرسم بورتريه إنسانياً للبسيط الذي يخوض رحلة البحث عن القوت كمن يخوض معركة صيد وسط بيئة جافة وموحشة (وسط الغرابة)، مستخدماً تقابلات حسية بين قسوة النوم على الخيش والطي، وبين الوحشة النفسية الناجمة عن مفارقة الأليف والأهل. والتباين بين فجر الخروج وليل المبيت يعكس دورة كاملة من الشقاء لا تتوقف، نهار من الصراع لأجل رغيف، وليل من الجوع والوحدة على فراش الخيش. إنه نص ينحاز للإنسان البسيط ويكشف كيف يلتهم الفقر أبهى ما في الحياة من أمل وسكن ونوم هادئ.

دنيا على الكَــــرّ والــفَـــرّ

شايلَه كاسيهـــا وعاريهـــا

و مصيرها تاجي على البَرّ 

والشط يحضن صاريهــــا

ينتقل إلى التأمل الفلسفي والتجريد في حركة الحياة، إذ يستعير مصطلحات الفروسية (الكر والفر) لوصف تقلبات الدنيا بين السعة والضيق، ليخلص بنبرة يقينية إلى حتمية الاستقرار النهائي وانكشاف الحقائق حين يحضن الشط صاري السفينة الراسية.

يا للي - بإيدَك - تلابيب

عالَــم بكيفَــــك تعيشُـه

همَّــــك تراضِـي تلابيب 

و الباقي يصـنع نعوشُـه

يصوغ الشاعر نقداً سياسياً واجتماعياً حاداً وموجهاً ضد الهيمنة والتبعية، مستخدماً التلاعب اللفظي والجناسي بين "التلابيب" الأولى (ياقة الثوب والإمساك بزمام الأمور) و"تل أبيب" (رمز الكيان والدولة المعادية)، محذراً من تقديم رضا الآخرين على حساب مصائر الشعوب التي تصنع نعوشها بنفسها. يتحرك المربع بنبرة غاضبة، ساخرة، وممتلئة بالأنفة والكبرياء. الإيقاع القصير والمباشر يعطي البيتين زَخَمًا هجوميًا لا يداري ولا يجامل. إنه صوت يعري التبعية والتآمر على حساب أجساد البسطاء وكرامتهم، ويستحضر صورة النعوش المتراصة كشاهد أخير على ثمن هذا الرضا المشبوه.

بصت عيوني لسمــا الليل 

ولامُـــلك إلا ولـُه مـــــالِك 

ياما فــ ضُحايا جَرَت خيل 

وفــ ليلـهــا سِهـرِت مَمالك

يتجه نحو قراءة كونية للتاريخ والقدر، مستحضراً تقلبات السلطة والزوال، إذ يعقد الشاعر مقارنة بين حركة الخيل الجموح في نهار الضحى وسهر الممالك وحسرتها في ليل الهزيمة، ليؤكد الحقيقة المطلقة بأنه لا ملك يدوم إلا لمالك الملك والكون.

دنيا فــ ليلـهــا كصياد

فــ البر تنصُب شَرَكـها 

ترقُص كمــا فرع مَيَّاد 

ياتعسة اللي شاركـهــا 

يوظف الشاعر تشبيهاً مركباً يعكس غدر الدنيا وتقلبها، فهي في ظلامها كصياد يتربص بالضحايا وينصب الشباك، وفي ظاهرها كالفرع المياد المائل بالجمال والفتنة، متسائلاً بأسى عن تعاسة من ينخدع بظاهرها المائل ويشاركها غوايتها. وهو يتدفق بنغمة تحذيرية هادئة تعكس حكم مجرب وخبير بالدهر. الإيقاع الموسيقي متوازن ومريح للأذن، لكنه يحمل في باطنه تحذيرًا شديد اللهجة. التباين الحاد بين صورة الصياد الذي ينصب الفخاخ ليلاً وصورة الفرع المياد الذي يرقص نهاريًا يعكس ازدواجية الدنيا وحيلتها، مما يجعل النص بيتًا من بيوت الحكمة التي تصيب جوهر الحقيقة الإنسانية.

لَمّــينا فــ النَدل ما اتلَـم

و سـحـــب لســانه لـبره

يرحَم أبوه اللي مات لَم 

يحـكُـم على وِدن جَــرَّه 

هو تقريع أخلاقي وسخرية شعبية لاذعة تصوب سهامها نحو الخسيس الذي لا تثمر فيه الصنيعة، إذ يستخدم الشاعر الاستعارة الشعبية المأخوذة من المثل السائر حول الجرة والأذن ليبرز عدم قدرة الندل على الحفظ أو الحياء مهما بُذل معه من معروف.

قَدَّمت لك سَبت مع حَد 

واتنيني عــــــدا وتـلاتي 

لاشُفــت لك رَد ولاحَـــد 

شافَك ورايا فــ صـلاتي 

وهنا يقدم عتاباً هادئاً وشجياً يتوسل بأيام الأسبوع المتتابعة للتعبير عن الاستمرار في المبادرة والود (سبت، حد، اتنين، تلات)، مقابل جفاء الطرف الآخر وصمته وانقطاع الوصل الذي يتجلى في عدم مشاركته حتى في لحظات التضرع والصلوات. إنها نبرة محب وفيّ يعتب بكرامة، يسرد ما قدمه من فضل ووقت ودعاء، ثم يضع غياب الحبيب في كفة المقارنة ليكشف حجم الجرح الذي يخلفه التغاضي عن القلوب الصادقة.

يابحر موجَك متَى ينام

وتنام مكـامن محــــارُه ؟

جَمَل اللــيالي بلا سـنام 

يامين يبلــــــغ نـهــــارُه

هى مناجاة متعبة للزمن والبحر، مستخدماً صورة شعرية مضغوطة تشبه الليالي الثقيلة المتواصلة بجمل فقد سنامه الذي يعينه على الحمل والترحال، مستفهماً بأسى عن اللحظة التي يهدأ فيها موج التعب لتبلغ النفس نهارها المرتقب. تضافر صورة الموج الثائر مع الجمل العاجز والليل الطويل يجعل النص وثيقة وجدانية شفافة تعبر عن كل روح تطمح للإنجاز والوصول إلى نهارها، بينما تحيط بها الصعاب وتعرقلها المتناقضات.

يابحر موجَك - عَلَيّ- مال 

وحَـدَف حـنينُه فــ عِـبِّي 

ولا غير قِليبي لي رسمال

- مِنُّه - الـحــبايب تِعَــبّي 

يفيض الموج بحنينه نحو صدر الشاعر، ليقر الشاعر بنفاذ زاد المادة وعدم بقاء شيء سوى القلب الحي الذي يظل ينبوعاً عطوفاً ينهل منه الحبايب بلا مقابل.

فــ الليل أغـنّي بمـــوَّال 

والريح تطــيِّر كـــلامي

و أمَسِّي على كل قَوَّال

و ابعًـت لخٍـلّي سـلامي

يجسد النص وظيفة الشعر والفن القولي الصعيدي كرسالة وجدانية تطلق في الفضاء، حيث يغني الشاعر مواله في صمت الليل لتنقل الريح نغماته، في التحية لكل الشعراء والقوالين واستدعاء دائم لطيف الخل الحبيب. والألفاظ بسيطة ومباشرة دون تعقيد، مما يمنح النص خفة ورقة تطرب لها الأذن ويسكن إليها الوجدان. إنه نص يحتفي بالكلمة، وبالفن كجسر إنساني يصل القلوب ويقطع دابر الوحشة في ساعات الليل الطويلة.

عَــوَّام ياللي عـلَى البَر 

لك عَـزم حامي غُــبارُه

ولاهَمّ مَــرَّه علـيك مَـر 

ولاصبر تعــرف مَـرارُه 

وهنا يصوب الشاعر نقده الساخر واللاذع نحو أدعاء المعرفة والمنظرين الذين يطلقون الأحكام من بعيد دون خوض المعاناة الحقيقية، فالمدعي هو عوام على البر يتظاهر بالشجاعة بينما لم يذق طعم الهم ولم يمارس الصبر الحقيقي في أهوال البحر.

عامِل عزومَه وزحـمَــه 

وداعي جيران الجيران 

وطبيخ بلا أي لحـمـــة 

الله يجازيك يا شيطـان

تتجلى هنا السخرية التهكمية اللاذعة والتصوير الواقعي للمظاهر الفارغة والادعاء الكاذب، إذ يصور الشاعر الضجيج والازدحام الذي يقيمه أدعياء الكرم دون جوهر حقيقي أو بذل صادق، مختتماً بدعاء طريف يُحَمِّل الشيطان مسؤولية هذا الخداع المتكلف. فتحويل تهمة البخل أو التقصير إلى مؤامرة شيطانية يحمل تعريضًا كوميديًا ذكيًا، حيث الشيطان الذي يُتهم عادة بالوسوسة والشرور الكبرى، أُقحم هنا ليصبح هو المسؤول عن طرد اللحمة من القدر أو تنسية المضيف إعدادها! هذا الهروب الساخر يمنح النص روح الفكاهة الخفيفة، ويجعل الدفعة الفكاهية ختامًا ضاحكًا يكسر حدة الهجوم.

و يمام عـ الدغـل بيحوم 

ســارح يلـقّـٓــط نهـــــارُه 

يشهر بكـورُه على الدوم 

و الكَـدّ - دايمًا - شِعـــارُه

يعتمد النص على الملاحظة البيئية الدقيقة للطبيعة الصعيدية؛ حيث يتخذ من اليمام السارح في الدُّغُل رمزاً للبكورية، والعمل الصامت، والكد المستمر، محولاً السعي الصباحي للطيور إلى درس أخلاقي في الحركة والكفاح الذاتي.

و حمام بــ يحط ويحوم 

خبى فــ هديلـُـه كلامُـــه

يشهِـر بُكـورُه على الدوم 

و على الطفــولَه ســلامُه 

يرتبط هديل الحمام هنا بالبراءة وشجن الذكريات، إذ يكتنز الصوت المنساب أسراراً وكلاماً مخبأ، يجمع بين البكورية الدائمة والتسامي نحو النقاء والطفولة الأولى التي يبعث إليها الشاعر بسلامه الروحي.

لاتِجـعـــــل الـنَـدل خِلّــيك

ولا الخَسـيس يوم تناسـبُه 

هـ يصَبِّحوا الحِلو خَـلّــيك 

خَـلّــــيك للِـي تناســــــــبُه

يقدم الشاعر وصية أخلاقية وحكمة اجتماعية صريحة تحذر من معاشرة ومصاهرة الندل، مستخدماً التلاعب اللفظي الصوتي بين "خَلّيك" الأولى (صديقك) و"خَلّيك" الثانية (تحول الشيء الحُلْو إلى خل حامض)، لتأكيد أن طباع اللئام تفسد النقاء وتغير المعدن الشريف.ووالتلاعب فى تناسبه الأولى أى تصاهره وتناسبه الثانية أى تلائمه.

ماللشــواطي مخـاصـمَــــه كل نَوارِســـهــا ؟

دخَلـِت جُـنود الأعـــادي تدُقّ مَتاريســهـــا 

لو ينفَع الصُلـح ليه عـ الحَـرب نَوارِســـهــا ؟

اللي يصاحـب العِــدا فـ الكَــرّ مَتاريسـهـــا

لايسايس الخيل ولا بـ ايدُه الشِكام عـارِك

جات المعارِك ما لِقيت - قَـطّ - فَوارِســهــا 

يقدم الشاعر هنا موالاً ندمانياً ملحمياً يتداخل فيه الصراع السياسي بالوجداني، إذ يتساءل عن جفاء الشواطئ لنوارسها ودخول الأعداء للحدود، مؤكداً أن الاستسلام ومصانعة الأعداء تفقد الفروسية معناها، وتترك الميدان خالياً من الفوارس الحقيقيين في أوقات الشدة والكر.

 

سوق الحَقــايق جَبَر ولا حَـد - فيه - باع لي 

والزيف نَصَب سـوق ولا فيه بيعــه تِنفَـع لي 

لا خـيولُه ترمَــح ولايلزَمــني - مِنُّه - هِجْن 

أتحـمّـل السِّجـن ولا - يوم - نَدل يشـفَـع لـي 

يعالج هذا الموال المربع حالة الانحطاط القيم وسيادة الزيف والتجارة بالمبادئ، إذ يعلن الشاعر كساد سوق الحقائق ورواج سوق الزيف، مستعرضاً ترفعه وعزة نفسه الشديدة التي تجعله يفضل قسوة السجن والقيود على الاستعانة بشفاعة ندل أو خائن.

لو تِرمي ضافِــر حُمـارَك بُكرَه هتعوز لُـه

و اللي بيرقُــد يلاقي الفَـقـر مَحجوز لُـه 

من يشكِي هَـمُّـه وفـ سـباق الكَسَل فايز 

شَحّـات وعـايز دقـيق القـمـح مَخبوز لُه 

ينطوي الموال على حكمة تدبيرية وتقريع حاد للكسل والاتكالية، إذ يدعو إلى عدم التفريط في أقرب الأشياء وأبسطها لأن الحاجة إليها ستأتي حتماً، معرياً من يشتكي الفقر وهو في قمة الكسل والرقود، متطلعاً لنيل العطاء الجاهز بلا جهد.

هـايم فــ ليلَك يامـوج البَحــر ، مين عَـدَّك ؟

سافــرِت آمـــالي فــ تغـــريبَه على حَـــدَّك 

فــ الصَــدر تنهيد بـ يشبِه فــ المَــدَى مَــدَّك 

و معـاك مســـافـر بصَـندوقي بلا عَـناوين 

بـ اسأل : عَلَى وين يا بحـر ؟ و منتظر رَدَّك 

هنا يصوغ الشنهورى موالاً مخمساً مشحوناً بالشجن والغربة، حيث يقارن بين مد البحر المتلاطم وتناهيد الصدر المكلوم، مبهماً وجهة التغريبة والرحلة التي يخوضها بصندوق خاطره الخالي من العناوين، منتظراً إجابة البحر الذي لا يرد.

القلـب مِنٍّي عِشِــق خُضـــرَه ومَيّة عـين 

واسمَـر كأني وكأنُّه فــ الشَجَــر فرعــين 

قالوا سَوادُه .. قُلت النَفْس جا وسادهــا

لولا سَوادها ، ماكانش بان بياض العين 

يتجلى في هذا النص الغزل التراثي العفيف بالجمال الأسمر وارتباطه بالبيئة الصعيدية، إذ يعقد الشاعر جناساً لطيفاً بين "وسادها" (الوسادة والمستقر) و"سوادها"، معللاً جمال السمراء بأنه الأصل والأساس الذي يظهر بياض العين ويبرز حسنها.

الغِنوَه تاهِـت - فــ حَنجَــرتي - و جَـفّ الـريق 

و الـخَـطـوَه تِنزِف - مَعالِـمـهـا - فــ كُل طـَريق 

يامــا عـاركـنا الـرياح وِ صَــنَعــنا لـيلـة قَـــدر 

و ايه فايدة البَدر غير وسـط الضَـلام لُه بريق ؟

ينقل النص معاناة الشاعر المحاصر بالألم والإنهاك؛ حيث تجف الحنجرة وتنزف الخطوة، إلا أنه يستدرك بنبرة إصرار وتفاؤل تعتمد على نبل المعاناة، مؤكداً أن قيمة الضوء والبدور لا تتجلى إلا في أحلك أوقات الظلام والعواصف.

وهكذا يظهر التفرد الفني للشاعر الكبيـر عبده الشنهوري في قدرته الاستثنائية على صياغة التراث الصعيدي بنَفَس معاصر ، وهو شاعر يمتلك قدرة فائقة على التلاعب بالألفاظ وإحكام الجناس بنوعيه التام والتحريف، ويتجاوز التقريرية السطحية، ليحمل المربعات الشعرية وفن الواو والمواويل أبعاداً فلسفية حول تقلبات الدنيا، والزهد، وحقيقة القدر، وزوال السلطة والملك. كما ينبض شعره بحس إنساني واقعي يعكس معاناة الكادحين وشقاء الطفولة المبكرة والطبقية والتهميش الاجتماعي، بلغة صادقة تلامس وجدان الشارع الصعيدي والمصري. وكذلك يوظف ببراعة مفردات البيئة والريف والصحراء كالبيوت والزرع والنخيل والبحر والخيل والطيور، ليعيد إنتاجها كرموز ودلالات تعبر عن الفروسية والخيانة والأصل الطيب والكرامة. كما يمتلك نبرة نقدية لاذعة تصوب سهامها نحو الإدعاء الفارغ، ، والنفاق الاجتماعي وخسّة الندل مستخدماً أمثالاً شعبية مصاغة بوزن شعري محكم. أيضاً تظهر في مواويله مناجاة إشراقية نبوية وروحية، تعتمد على التجرد والتخلي والتواضع الإنساني الرفيع للوصول إلى صفاء الرؤية. كما أنه يمتلك القدرة على التنقل بسلاسة واقتدار بين أشكال الموال المختلفة (المربع، والمخمس، والندمان) مع الحفاظ على الرنين الموسيقي الأصيل وسلامة الوزن والإيقاع.