رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

من المواقف البسيطة التي طالما لفتت انتباهي أن تسأل شخصا ً عن طريق إلى مكان ما، فتجده بدلا ً من أن يقول لك ببساطة: «لا أعرف» يحاول أن يرشدك إليه .. وقد يصف لك الطريق كاملا ً، وربما يفعل ذلك بثقة تجعلك تتبعه، ثم تكتشف بعد مسافة أنك ابتعدت عن المكان بدلا ً من أن تقترب منه.
المشكلة هنا ليست أنه لم يكن يعرف الطريق؛ فعدم المعرفة أمر طبيعي، ولا يوجد إنسان يعرف كل شيء، المشكلة أنه لم يعرف … ولم يعترف بأنه لا يعرف.
ومن هذا الموقف البسيط يمكن أن ننتقل إلى ظاهرة أوسع كثيرا ً في حياتنا؛ هي ادعاء المعرفة.

فالجاهل الذي يعرف أنه لا يعرف، أقرب إلى المعرفة ممن لا يعرف ويظن أنه يعرف .. فالأول أمامه سؤال يبحث له عن إجابة، أما الثاني فلديه إجابة تمنعه من أن يسأل.
فنحن نتصور عادة أن المعرفة تبدأ عندما نحصل على الإجابة، بينما قد تكون البداية الحقيقية أسبق من ذلك؛ إنها اللحظة التي ندرك فيها أن هناك شيئا ً لا نعرفه، فنبدأ بالسؤال عنه.
والطفل يقدم لنا أبسط مثال. فهو يتعلم لأنه يسأل باستمرار: ما هذا؟ ولماذا؟ وكيف؟ وكل إجابة تفتح أمامه بابا ً لسؤال جديد. والغريب أن بعض الناس كلما تقدم بهم العمر قلَّت أسئلتهم، لا لأنهم عرفوا كل شيء، وإنما لأنهم أصبحوا أكثر حرجا ً من الاعتراف بأنهم لا يعرفون.
ربما كانت عبارة «لا أعرف» من أكثر العبارات التي تحتاج إلى ثقة بالنفس .. فمن يقولها لا ينتقص من قدره، بل يحدد حدود معرفته، ومن يعرف حدود معرفته يعرف من أين يبدأ البحث.

لكن ادعاء المعرفة لا يظهر دائماً  في صورة معلومة خاطئة يقدمها شخص باعتبارها حقيقة .. فكثيرا ً ما نكون في تجمع اجتماعي بين أقارب أو أصدقاء، ويُطرح موضوع للنقاش، فيشعر البعض بأن عليه أن يكون له رأي فيه، حتى وإن لم تكن لديه معرفة كافية أو وعي يسمح له بتكوين وجهة نظر ناضجة، وقد لا يكون الدافع هو الرغبة في إضافة شيء إلى الحوار بقدر ما يكون أحيانا ً رغبة في المشاركة وإثبات الحضور والذات، وكأن الاكتفاء بالاستماع ينتقص من صاحبه.

وتظهر الصورة بصورة أوضح في اللقاءات المجتمعية والندوات والمؤتمرات العامة، خاصة عندما يُفتح باب النقاش أو المداخلات، فقد يحرص البعض على طلب الكلمة، لا لأن لديه سؤالا ً حقيقيا ً أو إضافة تثري النقاش، وإنما لأن مجرد الحديث أمام الآخرين يمنحه شعورا ً بالحضور. والمفارقة أن بين الحاضرين قد يكون من هو أكثر معرفةً ووعيا ً، لكنه يفضل الاستماع لأنه لا يجد ما يستحق الإضافة، بينما يتصدر الحديث شخص أقل معرفة لأنه أكثر رغبة في الكلام.
وهنا لا تكون المشكلة في المشاركة ذاتها؛ فالمشاركة والحوار من وسائل اكتساب المعرفة، وإنما في أن تتحول المشاركة من وسيلة لتبادل المعرفة إلى وسيلة لإثبات الذات.
فالإنسان ليس مطالبا ً بأن يكون له رأي في كل شيء، ولا أن يشارك في كل نقاش، بل أحيانا ً يكون حسن الاستماع أكثر دلالة على الوعي من كثرة الكلام؛ لأن المعرفة لا تظهر فقط فيما نعرفه ونقوله، وإنما أيضا ً في إدراكنا لما لا نعرفه، وفي قدرتنا على أن نسأل ونستمع قبل أن نتكلم.
ولا يعني ذلك أن يمتنع الإنسان عن إبداء رأيه إلا فيما تخصص فيه؛ فالمعرفة ليست حكرا ً على المتخصصين، ومن حق الإنسان أن يفكر ويسأل ويكوِّن رأيا ً، لكن هناك فرقا ً كبيرا ً بين أن تقول: «هذا ما أعرفه» أو «هذا ما أعتقده»، وبين أن تقدم اعتقادك باعتباره حقيقة لا تحتمل المراجعة.

ولعل السؤال الأهم إذن ليس: كم نعرف؟ بل: هل نعرف ما الذي لا نعرفه؟
فإدراك حدود المعرفة ليس نقصا ً فيها، وإنما جزء أصيل منها. وربما كان الإنسان الأكثر معرفة ليس من يملك إجابة عن كل سؤال، وإنما من يستطيع التمييز بين ما يعرفه، وما يظنه، وما لا يعرفه بعد.

وربما لهذا لا تبدأ المعرفة حين نعثر على الإجابات، وإنما قبل ذلك بكثير ؛  حين ندرك أن هناك ما لا نعرفه، فلا نخجل من أن نقول: «لا أعرف»، ثم نملك فضول أن نسأل.
فالمعرفة تبدأ حين تسأل.