من مفتش أغذية إلى راعي إيبارشية.. رحلة الأنبا أثناسيوس في طريق التكريس
"انظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثلوا بإيمانهم"، هكذا يدعونا الكتاب المقدس إلى تأمل سير الذين رحلوا عن عالمنا، لكنهم تركوا وراءهم أثرًا طيبًا وسيرة عطرة، ظلت حاضرة في ذاكرة الأجيال مهما مضت السنوات، وتحمل حكايتهم الكثير من العِبر والدروس التي تستحق التأمل ومن بين هذه السير تأتي سيرة الأنبا أثناسيوس، أسقف بني مزار والبهنسا الذي ترك رحلة حافلة بالتكريس والخدمة والإيمان.
لا يعني الرحيل دائمًا نهاية الحكاية، إذ يبقي أثر الإنسان شاهدًا على رحلته، وتحفظ الأيام مواقف عاشها وأثارًا تركها في قلوب من عرفوه وبين الأماكن التي شهدت خطواته، والأجيال التي تتعاقب والأعوام تمضي، يرحل أصحاب السير العطرة، لكن ما قدموه يبقي حاضرًا، ترويه الأجيال وتستعيده الذاكرة، وكان أثرهم يرفض أن يغيب برحيلهم.
ومن بين السير العطرة التي تزخر بها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والتي امتدت رحلتها بين الرهبنة والكهنوت والأسقفية، تأتي سيرة المتنيح الأنبا أثناسيوس أسقف بني مزار والبهنسا، الذي بدأت حياته في طريق مختلف، قبل أن يقوده طريق التكريس إلى الدير، ومنها إلى خدمة الكنيسة ورعاية شعب إيبارشية بني مزار والبهنسا.
من "إدوارد عدلي نسيم" إلى "الراهب موسى السرياني"
ولد الأنبا أثناسيوس في 27 إبريل 1948م، بمدينة أوسيم بمحافظة الجيزة، باسم إدوارد عدلي نسيم، ومنذ شبابه اتحه إلى العمل فحصل على دبلوم فني صحي، وعمل قبل أن يتجه قلبه نحو الحياة الرهبانية، كمفتش أغذية بالزقازيق. لكن الله كان يدبر له طريقًا مغايرًا وأرشد قلبه نحو الرهبنة والتكريس.
ففي 7 ابريل 1975م، ذهب إلى دير السيدة العذراء مريم "السريان" بوادي النطرون، طالبًا حياة الرهبنة، وفي 3 مايو من ذات العام، أصبح اسمه الراهب "موسى السرياني"، تروي الكتب التاريخية التي احتفظت بسير آباء الكنيسة، أنه عاش في الدير حياة الرهبنة بكل ما فيها من صلاة ونسك وطاعة، حتى أعده الله لخدمة أكبر، ونال درجة القسيسية في 3 يناير 1978، وفي 24 أغسطس 1980م، نال رتبة القمصية.
خدمة امتدت بين مصر والعالم
لم تقتصر خدمته على الدير، بل خدم في بني سويف ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية بولاية كاليفورنيا، وخدم أيضًا في استراليا، كما خدم في سكرتارية قداسة البابا شنودة الثالث، ثم جاءت سنة 2001 لتبدأ مرحلة جديدة من رحلته الخدميه التي حمل فيها محبة السيد المسيح وأخلص في تقديم كل السُبل التي أوصى بها، وخلال هذا العام شهدت حياته العديد من المحطات الرعوية العامرة.
ففي 9 سبتمبر من ذات العام، رسمه قداسة البابا شنودة الثالث أسقفًا على بني مزار والبهنسا، وفي 31 أكتوبر تم تجليسه على كرسي الإيبارشية وبدأت مرحلة أخرى جديدة من خدمته الأسقفية
راعيًا لإيبارشية بني مزار والبهنسا
حما الأنبا أثناسيوس مسؤولية شعبه بكل أمانة حسب ما حفظ التاريخ الكنسي سيرته، وكان خادمًا لإيبارشية بني مزار والبهنسا، ومهتمًا بخدمة الكنائس وأبنائها، وكان له اهتمام بالتعليم والخدمات، وظل حاضرًا في خدمة الأقباط من جميع مناحي الحياة، يشاركهم أفراحهم واحتياجاتهم ويهتم بأبنائه وخدمتهم وفي خدمته الأسقفية، شارك أيضًا في عدد من لجان المجمع المقدس، منها لجنة الإيمان والتعليم والتشريع،ولجنة العلاقات الكنسية، ولجنة الطقوس، والرعاية.

علاقة روحية قوية
ومن الأمور اللافته في سيرة هذا الأب الراعي، أنه لك يكن بعيدًا عن ابيه الروحي مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث، بل كان من الأساقفة الملازمين له، وكانت تربطه به علاقة روحية قوية.
وبين حياة الرهبنة التي بدأت في دير السريان، والخدمات المتعددة التي انتقل خلالها بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، وصولًا إلى الأسقفية امتدت رحلته في طريق التكريس والخدمة.
رحلة تكريس كاملة
لم تكن سيرة هذا الاب الراعي مجرد انتقال من رتبه إلى رتبه، بل كانت رحلة تكريس كاملة، عاش فيها سنوات الرهبنة والكهنوت ثم الأسقفية ورعاية إيبارشية بني مزار والبهنسا، وانتهت رحلة إنسان بدأ حياته العمليه مفتشًا للأغذية، ثم ترك العالم ليذهب إلى الدير، ومن إدوارد عدلي نسيم إلى الراهب موسى السرياني.
سنوات المرض والرحيل
ثم جاءت سنواته الأخيرة، فقد عاني الأنبا أثناسيوس من المرض لفترة طويلة، وفي فجر يوم 5 مارس 2021م، أعلنت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية رحيل الأنبا أثناسيوس بعد رحلة طويلة من الرهبنة والخدمة، عن عمو ناهز الـ 72 عامًا.
أقيمت صلوات التجنيز في كنيسة القديس مارمرقس بمقر المطرانية في بني مزار، واقتصرت المشاركة على مجمع كهنة الإيبارشية وعدد محدود من الشمامسة نظرًا لظروف انتشار جائحة كورونا حينها والتي كانت تحرم المحبين من المشاركة في لحظات الوداع الأخير بين الأب الراعي ومحبيه في الإيبارشية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض