رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لا شك أن إدارة الأزمات الاقتصادية الطاحنة والتعامل مع معضلة الديون المتراكمة يمثلان التحدي الأكبر للسيادة الوطنية والاستقرار الاجتماعي في تاريخ الدول، ونسعى فى هذا المقال إلى تحليل مشكلة الاعتماد على بيع الأصول السيادية وأراضي الدولة ومؤسساتها الإنتاجية ومصانعها كأداة وحيدة أو رئيسية لسداد الديون، حيث نناقش الأبعاد الاقتصادية والسياسية لهذه السياسات باحثين عن البدائل الاستراتيجية الأكثر رشدا.
تتشكل الأصول السيادية والأراضي والمصانع الحكومية كحائط الصد الأخير للأمن القومي والاقتصادي لأي دولة، وعندما تواجه الحكومات أزمات سيولة حادة وضغوطًا من الدائنين الدوليين يبدو خيار التسييل السريع لهذه الأصول بمثابة المسكن الفوري والسهل للألم الاقتصادي، ومع ذلك فإن تقييم هذه الممارسة من منظور علم الاقتصاد الإداري والاستراتيجي يكشف عن اختلالات جوهرية تحول هذا الإجراء القصير الأجل إلى كارثة ممتدة الأجل، وتكمن المشكلة الأولى في أن بيع الأصول الرأسمالية المدرة للدخل من أجل سداد ديون استهلاكية أو فوائد ديون سابقة يمثل تدميرًا للقاعدة الإنتاجية للدولة، فالأصول والشركات والمصانع الوطنية تمثل تدفقات نقدية مستقبلية مستدامة والتخلي عنها يعني حرمان الموازنة العامة من عوائد دورية كانت تسهم في تمويل الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة، وعندما تفقد الدولة هذه العوائد فإنها تضطر لاحقًا إلى الاقتراض مجددًا لتعويض العجز مما يخلق حلقة مفرغة تبدأ ببيع الأصل وتنتهي بزيادة الديون بشكل أعمق مما كانت عليه قبل البيع.
علاوة على ذلك فإن بيع الأصول في أوقات الأزمات الاقتصادية يضع الدولة في موقف تفاوضي ضعيف للغاية يُعرف في الأسواق بالبيع الاضطراري، وفي هذه الحالة يدرك المستثمرون الأجانب والمحليون أن الحكومة واقعة تحت ضغط الحاجة الماسة للسيولة مما يدفعهم إلى بخس أسعار هذه الأصول وشراء مقدرات حيوية بأقل من قيمتها العادلة بكثير، وهذا النمط من البيع لا يفشل فقط في سداد حجم الدين الكلي بل يمثل تفريطًا في ثروات الأجيال القادمة مقابل عوائد لحظية تتبخر سريعًا في قنوات سداد الفوائد المتراكمة، ومن الناحية السيادية يؤدي التخلي عن المؤسسات الاحتكارية أو الاستراتيجية كالموانئ والمطارات وشركات الاتصالات ومصانع الطاقة إلى نقل مراكز اتخاذ القرار الاقتصادي من أيدي الحكومة الوطنية إلى أيدي مجموعات استثمارية خاصة أو قوى دولية قد لا تتوافق مصالحها الربحية مع مصالح الأمن القومي للمجتمع، وبذلك يتحول دور الدولة من منظم وفاعل أساسي في السوق إلى كيان عاجز يفقد أدوات توجيه الاقتصاد ويسلم مقاليده لجهات خارجية تبحث عن تعظيم أرباحها دون كلف اجتماعية أو وطنية.
بدلًا من اللجوء إلى الحلول السهلة والخطيرة المتمثلة في بيع المقدرات توجد حزمة من البدائل والحلول الهيكلية التي أثبتت نجاحها في نقل الاقتصادات المتعثرة من حافة الإفلاس إلى مشارف النمو المستدام والمستقل، وتتطلب هذه البدائل إرادة سياسية قوية ورؤية علمية طويلة المدى ترتكز على محاور متعددة ومتكاملة، وتتمثل الخطوة الأولى والأكثر إلحاحًا في الدخول في مفاوضات جادة ومعمقة مع الدائنين لإعادة هيكلة الديون الحالية، ويشمل ذلك تحويل الديون قصيرة الأجل ذات الفوائد المرتفعة إلى ديون طويلة الأجل بأسعار فائدة ميسرة مما يمنح الموازنة العامة متنفسًا لالتقاط الأنفاس وتوجيه السيولة نحو المشاريع الإنتاجية بدلاً من خدمة الدين، كما يمكن تفعيل آليات مبتكرة مثل (مبادلة الديون بالاستثمار) حيث يتم تحويل جزء من مستحقات الدائنين إلى حصص مساهمة في مشاريع تنموية جديدة تُبنى من الصفر داخل الدولة مما يحرك عجلة الإنتاج ويخلق فرص عمل دون التفريط في الأصول القائمة بالفعل.
إن بديل البيع الكلي للأصل هو تطوير أساليب إدارته لرفع كفاءته وإنتاجيته، حيث يمكن للدول تأسيس صناديق سيادية تنموية تُدار بعقلية القطاع الخاص وبأعلى درجات الشفافية لخصخصة الإدارة وليس الملكية، ومن خلال عقود الإدارة والتشغيل أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص بنظام البناء والتشغيل والتحويل تستطيع الدولة جذب الاستثمارات الأجنبية والخبرات التكنولوجية الحديثة مع الاحتفاظ بالملكية النهائية للأصل ورقبته السيادية مما يضمن تدفق الأرباح للخزانة العامة على المدى الطويل، والحل الحقيقي والوحيد والدائم لأي أزمة مديونية يكمن في سد الفجوة الهيكلية بين الصادرات والواردات، لذا يجب على الدولة توجيه كافة التسهيلات والتحفيزات الضريبية والجمركية نحو قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية، فتوظيف الصناعات المحلية وإحلال الواردات يقللان من الطلب المستمر على العملة الصعبة بينما فتح أسواق تصديرية جديدة يضمن تدفقًا مستمرًا ومستقرًا للنقد الأجنبي، فالاقتصاد الذي ينتج ويصنع ويمتلك تكنولوجيا محلية هو الوحيد القادر على سداد ديونه من فوائض إنتاجه الحقيقي وليس من بيع لحمه الحي.
تتطلب الأزمات الاقتصادية كذلك مراجعة شاملة لسياسات الحماية المالية للدولة عبر توسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل وتصاعدي بحيث يتحمل الأثرياء والشركات الكبرى العبء الأكبر مع دمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية عبر حوافز تشجيعية، ويترافق مع ذلك ترشيد صارم للإنفاق الحكومي غير التنموي وإيقاف المشاريع القومية الكبرى التي لا تدر عوائد دولارية سريعة وتشديد الرقابة لمكافحة الفساد المالي والإداري الذي يمثل الثقب الأسود الذي يبتلع القروض والموارد الوطنية.
وإذا نظرنا إلى التاريخ القريب لمنطقتنا نجد أن تجربة الخديوي إسماعيل تمثل المثال الأبرز والأنصع لخطورة الاعتماد المفرط على الاستدانة من أجل مشاريع مظهرية أو غير إنتاجية، حيث بدأت الأزمة بالاقتراض من البنوك الأوروبية بفوائد ربوية وعندما عجزت الدولة عن السداد بدأت في التنازل عن أصولها ومقدراتها وكان على رأسها بيع أسهم شركة قناة السويس لبريطانيا بثمن بخس، ولم يحل هذا البيع الأزمة بل قاد مباشرة إلى تشكيل لجنة "صندوق الدين" والرقابة الثنائية الأجنبية على المالية والتي سلبت الدولة سيادتها الوطنية وانتهت بالمطاف إلى الاحتلال البريطاني المباشر، وهذا الدرس التاريخي يؤكد أن التنازل عن الأصول يتبعه حتمًا التنازل عن القرار السياسي والسيادة الوطنية.
في ثمانينيات القرن الماضي واجهت دول أمريكا اللاتينية مثل المكسيك والأرجنتين والبرازيل أزمة ديون خانقة، وتحت ضغط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي طبقت هذه الدول سياسات "توافق واشنطن" التي فرضت الخصخصة الواسعة والسريعة لجميع أصول الدولة ومصانعها وأراضيها لمستثمرين أجانب وفتح الأسواق بشكل غير مدروس، وكانت النتيجة ما يسمى (بالعقد الضائع) ، حيث ارتفعت معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق وانهارت الطبقة الوسطى وفقدت الحكومات سيطرتها على الموارد الحيوية ، واضطرت الأرجنتين في نهاية المطاف إلى إعلان تخلفها عن سداد ديونها في بداية القرن الحالي بعد أن باع نظام كارلوس منعم كل شيء ولم يتبق للدولة ما تسدد به أو تدير به شؤونها.
في المقابل تقدم الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 نموذجًا مغايرًا تمامًا لرفض الوصفات الجاهزة وتسييل المقدرات، فعندما تعرضت ماليزيا لضغوط عنيفة وانهيار لعملتها رفضت إملاءات صندوق النقد الدولي التي طالبت بفتح الأسواق وبيع الشركات الوطنية بأسعار بخسة لإنقاذ الوضع، وبدلاً من ذلك فرضت ماليزيا قيودًا صارمة على حركة رؤوس الأموال وربطت عملتها محليًا واعتمدت على تحفيز الإنتاج الداخلي والصادرات وزيادة كفاءة شركاتها الوطنية مما ساعدها في عبور الأزمة دون تفريط في أصولها وخرجت أكثر قوة وتنافسية، وكذلك فعلت كوريا الجنوبية التي واجهت الأزمة ذاتها فحينما اقترضت من الصندوق لم نوافق على شروطه ببيع أصولها للأجانب بهدف تصفيتها بل ساهم الشعب بمدخراته الشخصية ومجوهراته لدعم احتياطي الدولة وقامت الحكومة بإعادة هيكلة الشركات العائلية الكبرى لتصبح قاطرات صناعية عالمية تقود النمو الاقتصادي وتسدد الديون من عوائد التصدير الضخمة.
إن الخروج الآمن من الأزمة الاقتصادية والمديونية يتطلب تحولًا جذريًا في الفكر الإداري للدولة والانتقال من "اقتصاد الجباية والتسييل" إلى "اقتصاد الإنتاج والتعظيم"، فإن صيانة الأصول السيادية وتطويرها هما الضمانة الأساسية لحفظ حقوق الأجيال الحالية والقادمة في وطن يمتلك قراره الشجاع والمستقل، وتتطلب خريطة الطريق صياغة ميثاق وطني يحظر بيع الأصول الاستراتيجية تحت أي ظرف ويستبدل ذلك بطرح حصص أقلية في البورصات المحلية لتوسيع قاعدة الملكية الوطنية وجذب رؤوس الأموال المدخرة لدى المواطنين مما يسهم في امتصاص السيولة الزائدة والتضخم وضخها في شرايين الإنتاج، وبالتوازي مع ذلك ينبغي صياغة استراتيجية صناعية وزراعية مرنة تمتد لسنوات تركز على تحقيق الاكتفاء الذاتي في السلع الحيوية وتوليد النقد الأجنبي من خلال القيمة المضافة الحقيقية وليس عبر بيع أصول وتاريخ الأمة، فالدرس الأكبر الذي يعلمنا إياه التاريخ والاقتصاد هو أن الثروة لا تباع لتسديد الديون بل تُدار وتُنمى لتصنع مجد الأمم واستقلالها الحقيقي.

إن الغوص في أعماق الأزمات الاقتصادية والسيادية يفتح الباب لمجموعة من الزوايا والمحاور الجوهرية التي تمثل العمود الفقري الذي لا يمكن دونه فهم التكلفة الكاملة لبيع أصول الدول أو استشراف سبل النجاة الحقيقية، ويرتبط المحور الأول بالأثر الاجتماعي والنفسي للمواطن عند رؤية بيع مقدرات بلاده حيث لا تتوقف المسألة عند الأرقام والموازنات بل تمتد لتمس الهوية الوطنية ومفهوم الانتماء، فالأصول والمصانع التاريخية هي في وعي الشعوب معالم سيادة ورموز كفاح وتضحيات أجيال، وتحولها إلى ملكية أجنبية أو خاصة يولد شعورًا جماعيًا بالإحباط والاغتراب ويفقد المجتمع الثقة في قدرة الدولة على حمايته وتأمين مستقبله مما يؤدي إلى تآكل السلم الاجتماعي وظهور أنماط سلوكية تتسم بالقلق والعدائية واليأس الإحباطي.
أما الجانب الثاني فيتعلق بما يُعرف في أدبيات الاقتصاد بمصيدة إعادة الشراء بكلفة مضاعفة، حيث تضطر الدول التي تبيع أصولاً حيوية مثل محطات المياه أو الكهرباء أو شبكات النقل إلى شراء الخدمات التي تنتجها هذه الأصول بالعملة الصعبة أو بأسعار تجارية مرتفعة يفرضها الملاك الجدد لتعظيم أرباحهم، مما يعني أن الدولة التي ظنت أنها تخفف العبء عن كاهلها تقع في فخ سداد فواتير جارية باهظة تفوق بكثير قيمة المبلغ الذي قبضته ثمنًا للأصل، فضلاً عن الآثار الكارثية للتضخم الناجم عن هذه التكلفة والتي يتحملها المواطن البسيط بشكل مباشر، وينقلنا هذا إلى زاوية ثالثة بالغة الأهمية وهي مستقبل تصنيف الدولة الائتماني وقدرتها على الاقتراض مستقبلاً، فالأسواق الدولية والصناديق الاستثمارية لا تنظر إلى بيع الأصول كدليل على القوة والتعافي، بل على العكس تمامًا تعتبره مؤشرًا على نفاد الحلول والوصول إلى مرحلة الإفلاس الفعلي، مما يؤدي إلى خفض التصنيف الائتماني للدولة ورفع كلفة القروض الجديدة لارتفاع نسبة المخاطر ويجعل الاستثمار الأجنبي المباشر استثمارًا ساخنًا ومضاربيًا يبحث عن اقتناص الفرص السريعة بدلاً من الاستثمار المستدام في أصول إنتاجية جديدة.
كما يبرز في هذا السياق دور التشريعات الدستورية والقانونية كحاجز وقائي غائب في كثير من الأحيان، فالصلاحيات الواسعة الممنوحة للمجالس التنفيذية دون رقابة برلمانية وشعبية حقيقية وصارمة هي التي تسهل تمرير قرارات البيع، وتطوير البنية التشريعية لمنع التصرف في الأراضي والمؤسسات الاستراتيجية إلا باستفتاءات شعبية أو بموافقة أغلبية برلمانية مطلقة يعتبر هو خط الدفاع الأول لمنع المغامرات الاقتصادية غير المحسوبة، وأخيرًا ثمة ملمح هام يتعلق باقتصاد المعرفة والتكنولوجيا كبديل غير تقليدي، ففي العصر الحالي لم يعد الاعتماد على الثروات المادية والأراضي كافيًا لإنقاذ الاقتصادات بل إن الاستثمار في العقول والتحول الرقمي وتوطين البرمجيات والصناعات الدقيقة يمثل قفزة نوعية تختصر الزمن وتولد عوائد دولارية هائلة وضخمة دون الحاجة لموارد طبيعية ضخمة، وهو المساحة التي تفوقت فيها دول كثيرة كانت تعاني الفقر والديون وتحولت بفضل الاستثمار في التعليم التقني إلى قوى اقتصادية يُعمل لها ألف حساب.