نستخدم تعبير «الشرق الأوسط» كل يوم تقريبا ً؛ نقرأ عن صراعات الشرق الأوسط، وأمن الشرق الأوسط، واقتصاده ومستقبله، حتى أصبح الاسم في أذهاننا حقيقة جغرافية ثابتة، كأن المنطقة وُلدت وهي تحمل هذا الاسم .. لكن ماذا لو توقفنا أمامه للحظة وسألنا سؤالا ً بسيطا ً: شرق مَن؟ وأوسط بالنسبة إلى ماذا؟
السؤال ليس لغويا ً بقدر ما هو تاريخي وسياسي .. فالجغرافيا ثابتة في معظمها، أما أسماء المناطق فقد تعكس أحيانا ً زاوية نظر مَن أطلقها. وقبل شيوع تعبير «الشرق الأوسط»، كان الأوروبيون يستخدمون «الشرق الأدنى» للمناطق الشرقية الأقرب إليهم، وخاصة أراضي الدولة العثمانية وشرق البحر المتوسط، و«الشرق الأقصى» للمناطق الأبعد في آسيا. وكانت أوروبا، بصورة غير معلنة، هي نقطة القياس التي يُحدد منها القريب والبعيد.
وفي مطلع القرن العشرين برز تعبير «الشرق الأوسط» بصورة أكثر وضوحا ً، وارتبط شيوعه بالاستراتيجي البحري الأمريكي ألفريد ثاير ماهان، الذي استخدمه عام 1902 وهو يناقش أهمية الخليج والطرق البحرية والمصالح الاستراتيجية المرتبطة بالهند. ثم وسّع الصحفي والمفكر البريطاني فالنتاين تشيرول استخدامه في سلسلة من المقالات، قبل أن يجمعها في كتابه «المسألة الشرق أوسطية» عام 1903.
واللافت أن المنطقة لم تكن تُعرَّف يومها انطلاقا ً من هوية شعوبها أو ثقافتها المشتركة بقدر ما كانت تُرى من خلال حسابات القوة والمواصلات والمصالح الإمبراطورية. الخليج والهند وروسيا وبلاد فارس والدولة العثمانية وطرق التجارة والنفوذ؛ كانت جميعها حاضرة في الخلفية التي نما داخلها المصطلح.
ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، وسقطت الدولة العثمانية، وأُعيد رسم جانب كبير من خريطة المنطقة. ومع اتساع النفوذ البريطاني، دخل تعبير «الشرق الأوسط» بصورة متزايدة إلى المؤسسات والسياسات الرسمية، حتى أُنشئت في وزارة المستعمرات البريطانية عام 1921 «إدارة الشرق الأوسط»، ثم أخذ مدلول المصطلح يتغير ويتسع مع تغير المصالح والخرائط السياسية.
لم يكن «الشرق الأوسط» وسطاً بالنسبة إلى أهله، ولم يكن شرقاً في خرائطهم؛ كان شرقاً بالنسبة إلى مَن نظر إليه من الغرب، وأوسط بالنسبة إلى المسافة بين شرقٍ سماه قريبا ً وشرقٍ سماه بعيدا ً. وهكذا لم يكن الاسم يحدد فقط أين تقع المنطقة، بل كان يكشف أيضًا أين يقف مَن أطلق عليها الاسم.
ولا يعني ذلك أن هناك رجلا ً جلس يوما ً إلى خريطة وقرر اختراع اسم بهدف السيطرة على شعوب المنطقة؛ فتلك قراءة مبسطة لا يسندها التاريخ. فالمصطلح تطور على مراحل، وتغيرت حدوده ومدلولاته، وظلت تعبيرات «الشرق الأدنى» و«الشرق الأوسط» متداخلة لعقود. لكن المؤكد أن الاسم نشأ وتطور داخل رؤية غربية للعالم، ثم انتقل من لغة الاستراتيجية والسياسة إلى لغة الجغرافيا والإعلام، حتى تبناه أهل المنطقة أنفسهم.
وهنا تصبح قصة الاسم أكبر من الاسم ذاته؛ فالقوة عبر التاريخ لم تكن ترسم الحدود وحدها، بل كانت تملك أحيانا ً القدرة على تسمية الأماكن وتصنيف الشعوب وتقسيم العالم إلى قريب وبعيد، وشرق وغرب، ومركز وأطراف. ومع مرور الزمن قد تنفصل التسمية عن ظروف ميلادها، فيرثها الناس جيلا ً بعد جيل حتى تبدو لهم وكأنها الاسم الطبيعي الوحيد للمكان.
وليس المطلوب بالطبع أن نستيقظ غدا ً فنلغي تعبير «الشرق الأوسط»، فقد أصبح مصطلحا ً دوليا ًمستقرا ً يفهم الجميع المقصود به. لكن معرفة أصل الاسم تغير طريقة فهمنا له؛ لأنها تذكرنا بأن بعض ما نتعامل معه باعتباره حقائق بديهية قد يكون في الأصل مجرد زاوية نظر أصبحت، بطول الاستعمال، حقيقة مستقرة.
وربما تكون تلك هي القيمة الأهم للقصة كلها: ألا نكتفي بما اعتدنا سماعه، وأن نحتفظ دائماً بحقنا في السؤال. فالمعرفة كثيرا ً ما تبدأ بسؤال صغير يبدو لأول وهلة بلا أهمية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض