هجرة الأمن والإيمان.. علي جمعة يكشف ماذا تعلّمنا من الحبشة؟
تحدث الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، عن دروس الهجرة إلى الحبشة، موضحًا الفرق بين «هجرة الأمن» و«هجرة الإيمان»، وما تكشفه أحداث السيرة النبوية من معانٍ تتعلق بحفظ الدين والنفس والمال والعِرض، والوفاء لمن أحسن إلى المسلمين، والوقوف إلى جانب العدل حتى مع اختلاف الدين.
هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة
وأوضح الدكتور علي جمعة أن المسلمين الأوائل هاجروا إلى الحبشة بعدما اشتد عليهم أذى قريش واضطهادها، طلبًا للأمن وحفاظًا على دينهم وأنفسهم، حيث وجدوا في أرض الحبشة بيئة آمنة وحاكمًا عادلًا يستطيعون في كنفه ممارسة شعائرهم دون خوف من بطش قريش.
وأشار إلى أن المهاجرين الأوائل عادوا إلى مكة بعد أن بلغهم خبر غير صحيح يفيد بإسلام قريش، إلا أنهم اكتشفوا بعد عودتهم أن الاضطهاد ما زال قائمًا، وأن المسلمين لا يزالون يتعرضون للأذى بسبب إيمانهم.
العودة إلى مكة في جوار بعض رجال قريش
وبيّن أن عددًا من هؤلاء المهاجرين اضطروا إلى دخول مكة في جوار بعض رجال قريش، اتقاءً لما يمكن أن يلحق بهم من أذى، في ظل استمرار التضييق على المسلمين واشتداد العداء للدعوة الإسلامية.
ومع استمرار الاضطهاد، نصح سيدنا رسول الله ﷺ أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى، بعدما ثبت لهم أن أرضها توفر لهم قدرًا من الأمن والاستقرار، وأن ملكها لا يظلم من يعيش في بلاده.
الهجرة الثانية.. لماذا اتسع عدد المهاجرين؟
ولفت الدكتور علي جمعة إلى أن الهجرة الثانية إلى الحبشة كانت أوسع من الهجرة الأولى، إذ بلغ عدد المهاجرين نحو ثلاثة وثمانين من المسلمين، وهو ما يكشف عن اشتداد دوافع الهجرة نتيجة تصاعد اضطهاد قريش، وفي الوقت نفسه عن جاذبية الأمن والعدل اللذين وجدهما المسلمون في الحبشة.
وضمت الهجرة الثانية عددًا من كبار الصحابة، ومن بينهم السيدة أم سلمة وأبو سلمة، وعبيد الله بن جحش، وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ.
ما الفرق بين هجرة الأمن وهجرة الإيمان؟
وأوضح أن أحداث السيرة النبوية تكشف عن صورتين مختلفتين للهجرة؛ فالهجرة إلى الحبشة كانت في الأساس «هجرة أمن»، هدفها حماية الإنسان لدينه ونفسه وأسرته، بينما كانت الهجرة إلى المدينة «هجرة إيمان»، إذ انتقل المسلمون إلى مجتمع الإيمان الذي يقوده سيدنا رسول الله ﷺ، وأصبح المجتمع الجديد يحمل رسالة الإسلام ويقيم شعائره ونظامه.
وأكد أن مفهوم «هجرة الأمن» لا يقتصر على الانتقال من بلد إلى آخر بسبب الخوف، وإنما يدخل في معناه الواسع طلب العلم، وطلب الرزق، وصلة الرحم، وحفظ النفس والمال والعِرض، وكل ما يحقق للإنسان أسباب الأمن والاستقرار ويحفظ عليه ما يحتاج إلى صيانته.
قصة عبيد الله بن جحش.. حين يتحول النموذج إلى فتنة
وتناول الدكتور علي جمعة قصة عبيد الله بن جحش، الذي كان من المهاجرين إلى الحبشة، ثم انتقل هناك من الإسلام إلى النصرانية، موضحًا أن هذه القصة تفتح بابًا مهمًّا للتأمل في طبيعة التأثر بالنماذج الفكرية والاجتماعية.
وأشار إلى أن الإنسان قد يُفتن أحيانًا بالنموذج الذي يبدو مكتملًا أمامه، في مقابل تجربة لا تزال في طور البناء والتكوين، وهو ما يجعل قصة عبيد الله بن جحش درسًا في ضرورة الوعي وعدم الانبهار بمجرد اكتمال صورة النموذج الخارجي.
ضرورة عرض مفاهيم الإسلام بلغة كل عصر
واستخلص الدكتور علي جمعة من هذه القصة أهمية إعادة عرض مفاهيم الإسلام بصورة يفهمها كل عصر، مؤكدًا أن الخطاب الإسلامي يحتاج إلى أن يقدّم المعاني والأفكار بلغة واضحة قادرة على مخاطبة الناس في واقعهم.
كما حذّر من الانبهار بالنماذج الفكرية الوافدة لمجرد أن مصطلحاتها تبدو مكتملة أو أن صورتها الخارجية تبدو أكثر تنظيمًا، مشيرًا إلى أهمية امتلاك الوعي الذي يمكّن المسلم من فهم دينه ومقاصده وعدم الانجراف وراء كل نموذج جديد لمجرد ظهوره في صورة مكتملة.
النجاشي.. نموذج الحاكم العادل
وتطرق الدكتور علي جمعة إلى موقف المسلمين في الحبشة من النجاشي، وما وجدوه في حكمه من عدل وأمان واستقرار، مؤكدًا أن هذا الموقف يكشف جانبًا مهمًا من أخلاق المسلمين في تعاملهم مع المجتمع الذي آواهم وحماهم.
وكان النجاشي قد وفر للمهاجرين المسلمين الأمن، فلم يجدوا منه ظلمًا أو اضطهادًا، ولذلك نشأت بينهم وبينه علاقة تقوم على الأمان والوفاء ورد الجميل.
الصحابة والنجاشي.. الوفاء لمن أحسن إليهم
وأوضح أن المسلمين لم يتعاملوا مع وجودهم في الحبشة بمنطق الانغلاق أو الجحود، بل وقفوا إلى جانب النجاشي عندما نازعه ابن عمه الملك، واستعدوا للدفاع عمن آواهم وحماهم.
وأكد أن هذا الموقف يقدم صورة واضحة لمعنى الوفاء والمواطنة؛ فلم يرَ الصحابة أن اختلاف الدين يمكن أن يكون مبررًا للخيانة أو التنكر لمن أحسن إليهم، وإنما حفظوا للنجاشي ما قدمه لهم من أمان وحماية.
المسلم يفرح بانتصار العدل والخير
وأشار إلى أن المسلمين فرحوا بانتصار النجاشي، وهو ما يكشف عن معنى مهم في شخصية المسلم، يتمثل في فرحه بانتصار العدل والخير، حتى وإن كان صاحبه غير مسلم.
فالعدل قيمة إنسانية لا تتغير باختلاف الأشخاص أو العقائد، كما أن الوفاء ورد الجميل من القيم التي أرستها الشريعة الإسلامية في تعامل الإنسان مع الآخرين.
ولم يتوقف الأمر عند مجرد الفرح بانتصار النجاشي، بل شارك المسلمون لاحقًا في الدفاع عنه، في صورة تعكس رد الجميل والوفاء لمن وفر لهم الأمن وأتاح لهم أن يعيشوا ويحافظوا على دينهم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

