رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الرقابة المالية تعيد ضبط سوق الوساطة التأمينية.. تفاصيل

محمد عبد الجبار
محمد عبد الجبار

أقرت الهيئة العامة للرقابة المالية تعديلات جديدة على بعض قواعد ومعايير قيد ومزاولة نشاط الوساطة في التأمين وإعادة التأمين، وذلك بتعديل القرار رقم 69 لسنة 2025، في خطوة تستهدف تطوير الإطار التنظيمي للنشاط ومواكبته لمتغيرات سوق التأمين، من خلال إعادة النظر في بعض الاشتراطات المنظمة لمزاولة النشاط وتعزيز ضوابط الحوكمة ومنع تعارض المصالح.

وتضمنت التعديلات إلغاء إلزام شركات الوساطة بفتح فرعين على الأقل خلال ثلاث سنوات من بدء النشاط، إلى جانب حذف النص الذي كان يسمح لخبير التأمين الاستشاري بتولي مهام الإدارة التنفيذية في شركات الوساطة، بما يعكس توجهًا نحو ربط المتطلبات التنظيمية بطبيعة المخاطر الفعلية، مع تعزيز استقلالية الأدوار المهنية داخل سوق الوساطة التأمينية.

ومن هنا، يبرز التساؤل حول مدى تأثير هذه التعديلات على كفاءة شركات الوساطة وقدرتها على الوصول إلى العملاء، وما إذا كان إلغاء شرط الفروع يمثل تحولًا من قياس الانتشار بعدد المقرات إلى قياسه بقدرة الشركات على تقديم خدمات تأمينية فعالة، بالتوازي مع تشديد قواعد الحوكمة والفصل بين الأدوار المهنية.

 

وفي هذا الإطار، أوضح محمد عبدالجبار، الخبير التأميني، إن التعديلات الجديدة، تعكس توجهًا إيجابيًا نحو تطوير الرقابة بما يتناسب مع المتغيرات التي يشهدها سوق التأمين، مؤكدًا أن التنظيم الجيد لا يعني زيادة الاشتراطات، وإنما ربطها بالمخاطر الفعلية واحتياجات السوق، موضحًا إلى أن إلغاء إلزام شركات الوساطة بفتح فرعين على الأقل خلال ثلاث سنوات من بدء النشاط لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تخفيف لاشتراط تنظيمي، وإنما باعتباره انتقالًا من قياس انتشار شركة الوساطة بعدد الفروع إلى قياس قدرتها الفعلية على الوصول إلى العملاء وتقديم الخدمة لهم بكفاءة.

وأوضح "عبدالجبار"، أن إلزام شركات الوساطة بالانتشار الجغرافي كان مفهومًا في وقت سابق باعتبار أن زيادة عدد الفروع قد تعني وصولًا أكبر للعملاء ورفعًا لمستوى الوعي التأميني، إلا أن التطور التكنولوجي والتحول الرقمي غيّرا مفهوم الوصول إلى العميل، وأصبح من الممكن لشركة تعمل من مقر واحد أن تخدم عملاء في محافظات مختلفة بكفاءة أكبر من شركة لديها عدة فروع لكنها تفتقر إلى البنية التكنولوجية وخدمة العملاء وإدارة البيانات بصورة فعالة.

وتابع: «الفرع ليس دليلًا على الانتشار، كما أن وجود فرعين لا يعني بالضرورة أن شركة الوساطة أصبحت أكثر قدرة على خدمة العملاء، فالسؤال الأهم يجب أن يكون: هل تمتلك الشركة القدرة الحقيقية على خدمة السوق الذي تعمل فيه؟، مؤكدًا على أن إلغاء شرط الفرعين لا يعني إعفاء شركات الوساطة من مسؤوليتها تجاه العملاء، مشددًا على ضرورة أن يقترن التيسير التنظيمي بالتزام أكبر بتوفير نظم فعالة لخدمة العملاء، وإدارة الشكاوى، واستمرارية الأعمال، وحماية البيانات، والبنية التكنولوجية، وإدارة المخاطر، بما يتناسب مع حجم وطبيعة النشاط.

وأشار الخبير، إلى أن الرقابة الحديثة يجب ألا تركز فقط على سؤال «أين يوجد الفرع؟»، وإنما تمتد إلى أسئلة أكثر أهمية، منها: أين العميل؟ وكيف يتم الوصول إليه؟ وما مستوى الخدمة التي يحصل عليها؟، معتبرًا أن هذه النقلة تمثل تطورًا في فلسفة الرقابة من التركيز على الشكل إلى قياس النتائج الفعلية، وفيما يتعلق بالجانب الآخر من التعديلات، والمتعلق بحذف المادة التي كانت تسمح لخبير التأمين الاستشاري بتولي مهام الإدارة التنفيذية في شركات الوساطة في التأمين أو إعادة التأمين، أكد عبدالجبار أن هذا الاتجاه يمثل خطوة مهمة على مستوى الحوكمة ومنع تضارب المصالح، موضحًا أن الوسيط يعمل على ترتيب التغطية التأمينية بما يخدم احتياجات العميل، بينما يقدم الخبير الاستشاري رأيًا فنيًا يفترض فيه الاستقلال والموضوعية، وبالتالي فإن الجمع بين الدورين داخل الشخص نفسه قد يخلق تضاربًا محتملًا في المصالح، حتى في حال عدم وقوع مخالفة فعلية، حيث إن الحوكمة الجيدة لا تنتظر حدوث تضارب المصالح حتى تتدخل، وإنما تعمل على منع الظروف التي قد تؤدي إليه من الأساس، مشيرًا إلى أن الفصل بين الأدوار المهنية يمثل جزءًا أساسيًا من بناء سوق تأميني أكثر شفافية واستقلالية.

ولفت إلى أن منع الجمع بين الأدوار لا ينبغي أن يتوقف عند المسميات الوظيفية فقط، وإنما يجب أن يمتد إلى المصالح غير المباشرة، مثل الملكية والعلاقات التعاقدية والشركات المرتبطة والحوافز المهنية، إلى جانب وضع ضوابط واضحة لانتقال المهنيين من نشاط إلى آخر وآليات فعالة لاكتشاف تعارض المصالح الحقيقي.

وأكد عبدالجبار أن «تعارض المصالح لا يعيش دائمًا داخل المسمى الوظيفي، وإنما قد يظهر في الملكية أو العلاقات أو الحوافز أو المعلومات التي يمتلكها طرف دون الآخر»، وهو ما يجعل الإفصاح والرقابة المستمرة عنصرين أساسيين لاستكمال منظومة الحوكمة، مشيرًا إلى أن الأهم في التعديلات الجديدة ليس فقط إلغاء شرط الفرعين أو منع الخبير الاستشاري من تولي منصب تنفيذي في شركة وساطة، وإنما الرسالة التنظيمية الأوسع التي تعكسها هذه التعديلات، وهي أن القواعد التنظيمية ليست جامدة، ويمكن إعادة النظر فيها عندما يكشف التطبيق العملي أنها لم تعد تحقق الهدف الذي وضعت من أجله.

وشدد على أن الرقابة الحديثة لا تعني زيادة عدد الاشتراطات، وإنما تعني أن تكون هذه الاشتراطات مرتبطة بالمخاطر الحقيقية، وأن تعمل على حماية السوق والعملاء دون تحميل الشركات أعباء تنظيمية لا تضيف قيمة حقيقية، مضيفًا إلى أن إلغاء شرط الفرعين لا ينبغي أن يُفهم باعتباره فرصة لتقليل الاستثمار، وإنما لإعادة توجيهه إلى مجالات أكثر أهمية، مثل التكنولوجيا، وأمن المعلومات، وخدمة العملاء.

واختتم عبدالجبار تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح التعديلات الجديدة لن يُقاس بعدد الفروع التي لن تضطر شركات الوساطة إلى افتتاحها، أو بعدد الخبراء الذين لن يتولوا مناصب تنفيذية، وإنما بما ستحدثه من أثر حقيقي في كفاءة السوق وحماية العملاء واستقلالية الأدوار المهنية.

وقال إن الاتجاه نحو تنظيم أكثر ارتباطًا بالمخاطر الفعلية وأقل ارتباطًا بالمتطلبات الشكلية يمثل خطوة مهمة نحو تطبيق مفهوم «التنظيم الذكي – Smart Regulation»، موضحًا أن نجاح هذا النهج سيظهر عندما يصبح سوق الوساطة أكثر كفاءة، والعميل أكثر حماية، والأدوار المهنية أكثر استقلالًا، والتنظيم أكثر قدرة على مواكبة الواقع بدلًا من إجبار السوق على الانحناء أمام قواعد لم تعد تتناسب مع طبيعة النشاط.