رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

هل تلتهم زيادات الكهرباء والخبز السياحي مكاسب تراجع الأسعار؟

بوابة الوفد الإلكترونية

 بعد أشهر من التحسن النسبي في معدلات التضخم، يجد الاقتصاد المصري نفسه أمام تحدٍ جديد مع تحريك أسعار الكهرباء وارتفاع أسعار الخبز السياحي، في وقت لا تزال فيه أسعار الغذاء والخدمات تمثل العبء الأكبر على الأسر المصرية، وتشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن تراجع إلى 14.3% في يونيو 2026 مقارنة بـ 14.6% في مايو و14.9% في أبريل، بعدما كانت مصر قد سجلت ذروة تاريخية قاربت 38% خلال عام 2023 قبل أن تبدأ موجة التراجع التدريجي نتيجة تشديد السياسة النقدية واستقرار سوق الصرف وتحسن توافر السلع، ورغم هذا التحسن، فإن القرارات الأخيرة الخاصة بأسعار الكهرباء والخبز السياحي تفتح باب التساؤلات حول ما إذا كان الاقتصاد المصري مقبلًا على موجة تضخمية جديدة، أم أن الارتفاع سيكون محدودًا ومؤقتًا يمكن احتواؤه دون فقدان المكاسب التي تحققت خلال العام الماضي، وفي هذا السياق، يستطلع "الوفد" آراء عدد من خبراء الاقتصاد حول توقعاتهم لمستقبل التضخم، وانعكاسات الزيادات الأخيرة على الأسواق والمواطنين خلال المرحلة المقبلة.

 

 في بادئ الأمر، تحدث كرم سلام عبدالرؤوف سلام، الخبير الاقتصادي الدولي ومستشار العلاقات الاقتصادية الدولية، قائلًا:"أن زيادة أسعار الكهرباء والخبز السياحي إلى يؤدي إلى عودة التضخم، ولكن بدرجات متفاوتة، الكهرباء ليست مجرد خدمة يستهلكها المواطن، بل تدخل في تكلفة إنتاج ونقل وتخزين جميع السلع تقريبًا، وهو ما يعني انتقال جزء من الزيادة إلى أسعار المنتجات والخدمات فيما يعرف اقتصاديًا بـ"الأثر غير المباشر"، أما الخبز السياحي، فرغم أنه سلعة غير مدعمة، فإنه يمثل عنصرًا أساسيًا في إنفاق ملايين الأسر، وبالتالي فإن ارتفاع سعره ينعكس مباشرة على تكلفة المعيشة، خاصة بالنسبة للطبقة المتوسطة ومحدودة الدخل. لكن في المقابل، فإن حجم الارتفاع المتوقع في التضخم قد يكون أقل من موجات الأعوام السابقة، لأن الاقتصاد أصبح أكثر استقرارًا نسبيًا، كما أن الأسواق استوعبت بالفعل جزءًا كبيرًا من آثار تحرير الأسعار خلال السنوات الماضية، لافتًا إلى أن التوقعات تشير إلى أن التضخم قد يتحرك صعودًا خلال الربع الثالث من عام 2026، وهو ما أشار إليه البنك المركزي نفسه، لكنه يتوقع أن يكون الصعود أقل حدة من التقديرات السابقة، على أن يعود التضخم إلى مسار الانخفاض تدريجيًا بعد ذلك وصولًا إلى مستويات أحادية الرقم خلال النصف الثاني من عام 2027 إذا استمرت السياسات الحالية. ومن المتوقع أن يدور متوسط التضخم خلال النصف الثاني من العام في نطاق يتراوح بين 15% و17% إذا لم تحدث صدمات خارجية كبيرة في أسعار الطاقة أو الغذاء العالمية.

 ونفي "سلام"، عن وقوع موجة تضخمية مشابهة لما حدث في 2022 و2023، وإنما أمام ارتفاع محدود ناتج عن قرارات إصلاحية في الأسعار، والفارق الجوهري أن الاقتصاد اليوم يتمتع بدرجة أعلى من توافر النقد الأجنبي واستقرار سعر الصرف، كما أن اختناقات الاستيراد تراجعت بصورة ملحوظة، وهي عوامل تقلل من احتمالات انفلات الأسعار بصورة واسعة، محددًا عدة عوامل تحد من التضخم ، مثل استقرار سعر صرف الجنيه المصري، وزيادة الإنتاج المحلي، وتراجع أسعار الغذاء عالميًا، وتشديد الرقابة على الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية، وتحسن سلاسل الإمداد، أما العوامل التي تدفعه للصعود فهي ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وزيادة تكاليف النقل والإنتاج، ووجود أي اضطرابات جيوسياسية تؤثر على التجارة العالمية، وارتفاع أسعار السلع الغذائية المستوردة.

 أما عن استطاعة الاقتصاد المصري استيعاب الصدمة.. أوضح الخبير الاقتصادي، إلى أن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بالأعوام السابقة، لكنه لا يزال حساسًا لأي زيادات متتالية في أسعار الخدمات الأساسية. وقد ساعدت الإصلاحات الاقتصادية، وتحسن الاحتياطيات الأجنبية، وزيادة الاستثمارات، في تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الضغوط، إلا أن الحفاظ على القوة الشرائية للمواطن يظل التحدي الأكبر، مشيرًا إلى أن البنك المركزي لا يزال يستهدف الوصول بالتضخم إلى 7% ±2% خلال النصف الثاني من عام 2027، إلا أن تحقيق هذا الهدف أصبح أكثر صعوبة مع استمرار إجراءات إصلاح الأسعار، وإن كان لا يزال ممكنًا إذا بقيت الصدمات الخارجية محدودة، منوهًا على عدة سياسات ينبغي التركيز عليها، أبرزها زيادة الإنتاج الصناعي والزراعي لتقليل الاعتماد على الواردات، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا، وتشديد الرقابة على الأسواق لمنع المغالاة في الأسعار، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة لزيادة المعروض من السلع، وتحسين كفاءة سلاسل النقل والتخزين للحد من فاقد الغذاء.

 وفي سياق آخر، أكد طاهر عبدالكريم، الخبير الاقتصادي، أن البيانات الرسمية، تشير إلى أن معدل التضخم السنوي في المدن واصل اتجاهه النزولي خلال الأشهر الأخيرة ليسجل نحو 12.2% في يونيو 2026 وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بعد أن بلغ 13% في مايو، وهو ما يعكس نجاح السياسات النقدية والمالية في احتواء جانب كبير من الضغوط السعرية، ورغم ذلك، فإن رفع أسعار الكهرباء بنسبة متوسطة تقارب 12% لمعظم شرائح الاستهلاك المنزلي يأتي ضمن خطة تستهدف ضمان استدامة قطاع الكهرباء، في وقت تتحمل فيه الدولة دعماً سنوياً يقترب من 100 مليار جنيه لتغطية الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع للمستهلك.

 

 وأفاد "عبدالكريم"، أنه من المتوقع أن ينعكس القرار على تكلفة الإنتاج في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل مواد البناء، والصناعات المعدنية، والكيماويات، وبعض الصناعات الغذائية، إضافة إلى ارتفاع محدود في تكاليف النقل والتخزين. إلا أن انتقال أثر الزيادة إلى جميع السلع يبدو مستبعداً، نظراً لاختلاف هيكل التكلفة بين القطاعات، فضلاً عن المنافسة داخل الأسواق وزيادة الطاقة الإنتاجية في العديد من الصناعات، كما يرى أن السلع الأكثر ترشيحاً لارتفاعات محدودة هي الأغذية المصنعة، والمخبوزات غير المدعمة، ومنتجات الألبان، والمنظفات، ومواد البناء، بينما يُتوقع أن تظل أسعار السلع الأساسية أكثر استقراراً بفضل المخزون الاستراتيجي، واستمرار ضخ السلع عبر المنافذ الحكومية والمعارض الموسمية، وبالنسبة للمستهلك، فإن محدودي ومتوسطي الدخل سيظلون الأكثر تأثراً بأي زيادات سعرية، إلا أن برامج الدعم النقدي، والتوسع في مبادرات الحماية الاجتماعية، والرقابة على الأسواق، تمثل عوامل مهمة لتخفيف الأعباء.

 

 كما يحذر الخبير الاقتصادي، من استغلال بعض التجار للقرارات ورفع الأسعار بأكثر من التكلفة الفعلية، وهو ما يتطلب استمرار الحملات الرقابية، وتفعيل قوانين حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، مع تعزيز الشفافية في إعلان الأسعار، ورغم توقعات بعض المؤسسات الدولية بارتفاع مؤقت في التضخم خلال الربع الثالث نتيجة تأثير قرارات الطاقة وبعض العوامل الموسمية، فإن غالبية التقديرات تشير إلى أن هذه الزيادة ستكون محدودة ومؤقتة، مع استمرار تحسن سوق الصرف، وزيادة تدفقات الاستثمار والسياحة، واستقرار سلاسل الإمداد، بما يدعم عودة الأسعار إلى مسار أكثر استقرارًا قبل نهاية العام، ويعزز فرص استمرار النمو الاقتصادي دون العودة إلى موجات التضخم الحادة التي شهدتها البلاد في السنوات الماضية.