رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مؤتمر الإفتاء يبحث آليات حماية الأسرة وتعزيز استقرارها

الجلسة العلمية الرابعة
الجلسة العلمية الرابعة بالمؤتمر الدولي للإفتاء الـ11

واصل المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية أعماله لليوم الثاني على التوالي، برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، حيث ناقشت الجلسة العلمية الرابعة «دور الفتوى المؤسسية في معالجة الأزمات الأسرية»، برئاسة الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن الضويني، وكيل الأزهر السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، عددًا من الرؤى العلمية حول تطوير أداء المؤسسات الإفتائية في التعامل مع قضايا الأسرة وحمايتها من التحولات الاجتماعية والتقنية المتسارعة.

وشهدت الجلسة مشاركة عدد من العلماء والباحثين الذين بحثوا سبل تأهيل المفتي المعاصر، وتطوير الخطاب الإفتائي، والاستفادة من العلوم النفسية والاجتماعية، إلى جانب الانتقال بالفتوى المؤسسية من معالجة المشكلات الفردية إلى الإسهام في صناعة سياسات أسرية داعمة للاستقرار والتماسك.

 

الضويني : قضايا الأسرة تجاوزت الحكم على الطلاق إلى بحث أسبابه

وفي مستهل الجلسة، أشاد الدكتور محمد عبد الرحمن الضويني بأهمية القضية التي يناقشها المؤتمر، مؤكدًا أن قضايا الأسرة من القضايا المشتركة بين مختلف المجتمعات، كما أنها حظيت بمساحة واسعة من عناية القرآن الكريم.

وأوضح أن العولمة والانفتاح وما ترتب عليهما من اختلال في بعض القيم والتقاليد الاجتماعية والابتعاد عن الأحكام الشرعية، أسهما في ظهور العديد من المشكلات التي تعصف بالأسرة، وفي مقدمتها ارتفاع معدلات الطلاق.

وأشار وكيل الأزهر السابق إلى أن أخطر تداعيات الطلاق لا تتوقف عند انفصال الزوجين، وإنما تمتد إلى الأبناء وعلاقاتهم الاجتماعية والنفسية، بل قد تطال بقية أفراد الأسرة، فتؤثر في صلة الإخوة والأقارب، وقد تصل في بعض الحالات إلى جرائم خطيرة.

وأكد أن أهمية دور المؤسسات الإفتائية تتجلى في عدم الاكتفاء ببيان الحكم الشرعي لوقوع الطلاق من عدمه، وإنما البحث في الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة وسبل مواجهتها والوقاية منها.

التحولات التقنية تخترق الأمن الأسري

وخلال الجلسة، قدم الدكتور عبد الناصر موسى أبو البصل، رئيس الهيئة الإدارية لرابطة علماء الأردن، بحثًا بعنوان «الفتوى المؤسسية والتحديات التي تواجه الأسرة المعاصرة»، تناول خلاله طبيعة التحديات الجديدة التي فرضها التسارع التقني على الأسرة.

وأوضح أن التطور التكنولوجي يمثل نعمة ذات فوائد واسعة، إلا أن آثاره المتسارعة تفرض تحديات جديدة، خاصة مع تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجتمعات والأسرة.

وأشار إلى أن التطور التقني أدى إلى تغيرات في المفاهيم وأنماط الحياة لدى الزوجين والأبناء، واخترق حاجز الأمن الأسري، مفرزًا مشكلات متعددة، من بينها الخرس الزوجي والجفاف العاطفي وفجوة الأجيال، فضلًا عن اتساع الفجوة بين الأقارب واختراق خصوصية البيوت وأسرارها، وإدمان الإنترنت والهوس الاستهلاكي والتسويقي.

وحذر من خطورة تحول الذكاء الاصطناعي إلى مصدر للاستشارة بالنسبة للزوجة أو الأبناء في القضايا الأسرية، مؤكدًا أن هذه التحولات تفرض على المؤسسات الإفتائية تطوير أدواتها لمواكبة الواقع الجديد.

أبو البصل: الفتوى مطالبة بدور إرشادي متكامل

وأكد الدكتور أبو البصل أن الفتوى لم تعد قاصرة على مجرد إبلاغ الحكم الشرعي، وإنما أصبحت مطالبة بأداء دور إرشادي متكامل يشمل الجوانب الأسرية والعقدية والثقافية والتربوية والتقنية.

وأشار إلى أن مواجهة التحديات الأسرية لا يمكن أن تتم بصورة فردية، وإنما تحتاج إلى عمل تشاركي يجمع المتخصصين في العلوم الشرعية والنفسية والاجتماعية.

واقترح تدريب الأطباء النفسيين والمتخصصين في علم الاجتماع والإرشاد على القواعد والمبادئ الشرعية، وفي المقابل تدريب المتخصصين الشرعيين على المبادئ النفسية والاجتماعية، بما يحقق تكاملًا في التعامل مع المشكلات الأسرية.

تأهيل المفتي.. من المعرفة الفقهية إلى المهارات التطبيقية

من جانبه، قدم الدكتور ياسر محمد محمد عبد الوهاب السعداوي، مدرس أصول الفقه بجامعة الأزهر، بحثًا بعنوان «إعداد المفتي المعاصر لقضايا الأسرة.. البعد المهني والتطبيقي»، تناول خلاله ضرورة تطوير عملية إعداد المفتي بما يتناسب مع طبيعة القضايا الأسرية المعاصرة.

وأوضح أن إعداد المفتي لا ينبغي أن يقتصر على تحصيل المعرفة الفقهية، وإنما يجب أن يمتد إلى امتلاك أدوات علمية ومهنية وتطبيقية تمكنه من التعامل مع الوقائع المستجدة، وفهم ملابسات كل واقعة وسياقها، وتحقيق التوازن بين ثوابت التشريع ومتغيرات الواقع.

وأكد أن الهدف هو بناء عقلية إفتائية وسطية قادرة على معالجة النوازل بعيدًا عن التعصب لمذهب بعينه أو الوقوع في الإفراط والتفريط.

كما تناول الباحث أهمية الرجوع إلى المآخذ الأصلية عند مراجعة كتب الفقهاء، وأثر التكوين العلمي على يد أستاذ متخصص في طريقة المفتي وأدائه، إلى جانب الالتزام بالقواعد والضوابط الخاصة بالقضايا الأسرية.

وخلص إلى أن إعداد المفتي المعاصر يمثل أداة مهمة لمواكبة فتاوى الواقع والتعامل مع الإشكالات الجديدة، بما يسهم في تعزيز السلم المجتمعي والحد من النزاعات الأسرية.

إسلام عُلَيَّان: الفتوى صناعة إنسانية تراعي المشاعر

وفي سياق متصل، قدم الدكتور إسلام عبد العاطي عُلَيَّان، مدرس التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر، بحثًا بعنوان «المقاربة الإفتائية لقيمة الحب وأثرها في حماية الأسرة.. فتاوى دار الإفتاء المصرية بين الواقع والمأمول».

وتناول البحث قيمة الحب والمودة باعتبارهما من القيم ذات الأبعاد المقاصدية والنفسية، مع دراسة واقع فتاوى دار الإفتاء المصرية والمأمول من الفتوى الأسرية في مواجهة ارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسري.

وأوضح أن الفتوى ليست مجرد حكم يقتصر على بيان «الحلال والحرام»، وإنما هي صناعة إنسانية ينبغي أن تراعي الأبعاد النفسية والعاطفية للمستفتي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الأسرية.

وأشار إلى أن الدراسة أظهرت وعي دار الإفتاء المصرية بأهمية الانتقال من دائرة النزاع القضائي البحت إلى دائرة الإصلاح والترميم النفسي والأسري، وتوظيف قيم الحب والمودة في حماية الأسرة.

إدراج «المدارس النفسية والاجتماعية» في تأهيل المفتين

وأوصى الدكتور إسلام عُلَيَّان بإدراج مادة «المدارس النفسية والاجتماعية» ضمن برامج تأهيل المفتين والمفتيات، بما يساعدهم على فهم لغة العواطف واحتياجات المستفتين، خاصة في القضايا المتعلقة بالأسرة.

كما دعا إلى إطلاق حملات إعلامية إفتائية قصيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تركز على «فقه المودة والرحمة والحب»، وتقدم الأحكام الفقهية في قالب إنساني مبسط ودافئ.

الفتوى المؤسسية.. من معالجة الأزمات إلى صناعة السياسات

ومن زاوية أخرى، ناقش الدكتور مصطفى حسن أحمد الأقفهصي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، بحثًا بعنوان «دور الفتوى المؤسسية في صناعة السياسات الأسرية الداعمة للاستقرار والتماسك.. فتاوى دار الإفتاء المصرية نموذجًا».

وأوضح أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والرقمية المتسارعة أفرزت نوازل إفتائية جديدة، الأمر الذي جعل دور الفتوى يتجاوز تقديم حلول فردية لمشكلات عارضة إلى الإسهام في صياغة ما يمكن تسميته بـ«السياسات الأسرية».

وعرّف الباحث السياسات الأسرية بأنها مجموعة من المخططات والتدابير التنظيمية والوقائية التي تتبناها المؤسسات والهيئات لإدارة شئون الأسرة وضبط حركتها وحماية نسيجها.

وأكد أن المؤسسات الإفتائية قادرة، من خلال الفتوى المنضبطة، على الإسهام في رسم سياسات أسرية تتوافق مع روح الشريعة وتحقق مقصدها في حفظ الكيان الأسري بمختلف مستوياته.

توظيف النصوص الشرعية لحماية الأسرة

وتناول الدكتور الأقفهصي مراحل توظيف الفتوى المؤسسية في دعم الأسرة، بدءًا من التأسيس والتأهيل قبل الزواج، مرورًا بتنظيم الحياة الزوجية وإدارة الخلافات، وصولًا إلى مرحلة ما بعد انتهاء العلاقة الزوجية بالفرقة أو الوفاة.

وأكد أن فتاوى دار الإفتاء المصرية يمكن أن تسهم في تحويل التوجيهات الأخلاقية المتعلقة بمرحلة ما قبل الزواج إلى سياسات وقائية وتدابير تنظيمية، بما يساعد على بناء بيئة أسرية أكثر استقرارًا وتماسكًا.

رؤية إفتائية جديدة لمواجهة تحديات الأسرة

وتأتي مناقشات الجلسة الرابعة ضمن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، الذي يبحث التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى، في محاولة لتطوير مقاربة إفتائية لا تكتفي بمعالجة المشكلات بعد وقوعها، وإنما تسعى إلى الوقاية منها واستشراف مستقبل الأسرة.

وتكشف الأبحاث المقدمة خلال الجلسة عن اتجاه متزايد نحو تطوير منظومة الإفتاء الأسري، عبر الجمع بين التأصيل الشرعي والخبرات النفسية والاجتماعية والتقنية، بما يعزز قدرة المؤسسات الإفتائية على مواكبة التحولات المعاصرة وحماية الأسرة ودعم استقرار المجتمع.