خارج السطر
نشرت دويتش فيلله تحقيقا استقصائيا يستحق الالتفات والتفكر والتحرك.
لا يُمكن السكوت على وحشنة شباب مصرى، أفلت من استقطابات الإرهاب فى الخريطة العربية، فوقع فى مستنقعات القتل فى بلاد ذهب إليها طلبا للعلم والعمل.
الحكاية كما ذكرها تحقيق صحفى بعنوان «السجن أو الموت: كيف يُساق شباب عرب قسرا للقتال فى أوكرانيا» نشر فى 25 أغسطس 2026، أن هناك عمليات تجنيد واسعة تتم لشباب عربى فى روسيا للحرب فى ساحات الدم، وأن من بينهم كثيرا من المصريين.
عبدالرحمن صبحى شاب مصرى، سافر إلى روسيا بعد الجائحة، وتعرض للسجن فى وقائع غير معروفة، وتمت مساومته على الإفراج مقابل التجنيد للحرب فى أوكرانيا، وظهر فى يناير 2025 فى صور فوتوغرافية عبر مواقع التواصل بالزى الرسمى الروسى، وفى يوليو 2026 وصلت أسرته أنباء مصرعه فى مقاطعة دونيستك. وحاولت الأسرة استعادة جثمانه للدفن فى مصر، لكنها لم تتلقَّ أى استجابة، وتم دفنه فى الشيشان.
محمد رضوان سنوسى، شاب آخر من مصر كان حلم حياته أن يكون طبيبا، ولم يؤهله مجموعه لذلك، فسافر عام 2021 لدراسة الطب فى إحدى جامعات روسيا، وأوقع به فى قضية مخدرات، وتعرض لمساومات مماثلة، قبل أن يوافق على التجنيد فى الحرب لإعفائه من العقوبة، ثُم سقط أسيرا فى أيدى الأوكرانيين، وظل كذلك.
عشرات آخرون لا نعرفهم تلقوا عروضا ووقعوا عقودا وانخرطوا فى ماكينات الموت طلبا للمال أو الاستقرار والمعيشة بعد أن تركوا مصر. وهناك آخرون سافروا للحرب، بعد الدخول على تطبيقات سرية على «تليجرام» للعمل فى ساحات القتال، مقابل مئتى ألف روبل شهريا. ووفقا للتحقيق، فإن الموظف كمقاتل يحصل على الطعام مجانا، وإعفاءات من الضرائب، وإعفاءات من العقوبات ووقف أى دعاوى قضائية ضده من قبل أى شخص أو جهة، مع وعد بحصوله على الجنسية خلال فترة زمنية بسيطة.
وثق تقرير «انباكت» الأوكرانى تجنيد 361 مصريا للقتال فى أوكرانيا خلال الفترة من 2023 إلى 2025، قُتل منهم 52 شخصا، كانوا جميعا مدرجين فى وحدة مشاة روسية.
حكومتنا العظيمة لم تقف صامتة حيال الأمر، لكن تفاعلها معه جاء جافا، وروتينيا، وإجرائيا فقط، إذ نشرت الجريدة الرسمية أسماء بعض الشباب المصرى المجند فى الحرب لتسقط عنهم الجنسية المصرية.
لكن هذا الإجراء فى حد ذاته يمثل استسهالا حكوميا متوارثا، إذ يلجأ المسئولون إلى غسل أيديهم من دماء الضحايا باعتبارهم غير مصريين.
لم تُشكل الحكومة لجنة تقصى حقائق أو تُجرى بحثا واسعا فى أسباب لجوء الشباب المصرى للتوظف بالقتل فى بلاد غريبة. لم يدرس أحد إن كان هؤلاء الشباب الغض قد تعرض لضغوط أو إكراه، ولم تبحث عن قنوات تواصل المُجنِّدين (بضم الميم وكسر النون) مع المُجنَّدين( بضم الميم وفتح النون) ولم تطالب السلطات الروسية بإيقاف مهام التجنيد، أو وقف استقطابهم للعمل كمرتزقة.
كان أسهل قرار هو أن نقول إن هؤلاء «ليسوا مصريين» ومن ثّم، فإننا غير مطالبين بالبحث وراءهم أو المطالبة بجثثهم ليواريها ثرى مصر.
ذكرنى ما قرأت بمقولة للشاعر الراحل محمد الماغوط نصها : «من أنتم؟ نحن عرب. ماذا تشتغلون؟ نحن لا نشتغل، فالعالم يشتغل بنا».
والله أعلم.
مصطفى عبيد
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض