د حسين حمودة: محفوظ.. «تلميذ أبدي» في رحلة استثنائية من التجدد والمغامرة
لم يكن نجيب محفوظ مجرد كاتب غزير الإنتاج، ولا صاحب مشروع روائي امتد لأكثر من سبعة عقود، وإنما كان تجربة أدبية ظلت تتغير دون أن تفقد جوهرها. فمن الرواية التاريخية إلى الواقعية، ومن أسئلة الإنسان الكبرى إلى استلهام التراث والفانتازيا، ثم إلى النصوص القصيرة التي كسرت حدود الأجناس الأدبية، ظل محفوظ يكتب وكأنه يبدأ من جديد في كل مرحلة. لم يركن إلى نجاح تجربة سابقة، ولم يسمح للشكل الذي صنع مجده أن يتحول إلى قيد، بل ظل يبحث عن مساحات جديدة للكتابة، وعن أسئلة لم يطرقها من قبل.
ومن هنا، جاء تصريح الدكتور حسين حمودة، الناقد وأستاذ الأدب العربي، للوفد، حيث يرى أن سر الدور الاستثنائي الذي لعبه محفوظ في الأدب المصري والعربي لا يكمن في حجم منجزه فقط، وإنما في مجموعة من القيم التي حكمت مسيرته، في مقدمتها التعدد، والانفتاح على الثقافة الإنسانية، والبحث عن خصوصية التجربة، والامتلاء الزمني، والتجدد، والمغامرة الإبداعية. قيمٌ جعلت من رحلة محفوظ الأدبية مسيرة متواصلة من الاكتشاف، ومنحت الأدب العربي واحدًا من أكثر مشروعاته قدرة على التحول والتجدد.
ويؤكد الدكتور حسين حمودة أن دور نجيب محفوظ في الأدب المصري والعربي ارتبط بمجموعة من القيم التي جعلت تجربته استثنائية، في مقدمتها قيمة التعدد؛ إذ شيد محفوظ كتابته على الابتعاد عن الصوت الواحد، وجعل أعماله ساحة تتجاور فيها الشخصيات والأفكار والانتماءات والمصائر المختلفة.
ويضيف أن من أبرز هذه القيم أيضًا الانفتاح على الثقافة الإنسانية، فقد كان محفوظ «قارئًا أبديًا» نهل من الأدب والفلسفة والأديان والعلوم والحضارة، وحرص على قراءة أمهات الكتب بالعربية والإنجليزية، وإلى حد ما بالفرنسية، وهو ما منح تجربته عمقًا واتساعًا استثنائيين.
ويشير حمودة إلى قيمة أخرى هي البحث عن خصوصية التجربة الأدبية، موضحًا أن وصف محفوظ بأنه «بلزاك العرب» أو «ديكنز العرب» لا ينصف تجربته كاملة، لأنه تجاوز في مراحل لاحقة أوجه التشابه الأولى، ونجح في تأسيس كتابة تحمل خصوصيتها الفنية الواضحة.
كما ارتبط مشروعه، بحسب حمودة، بـالامتلاء الزمني، من خلال انشغاله بقضايا عصره، وصلتها بالماضي والمستقبل، إلى جانب الأسئلة الإنسانية الكبرى العابرة للأزمنة.
ويؤكد أن التجدد والمغامرة الإبداعية شكّلا جوهر رحلة محفوظ؛ فقد انتقل من الرواية التاريخية إلى الواقعية، ثم إلى الروايات الفلسفية والإشكالية، وصولًا إلى تجارب تمزج الملحمة والتراث والفانتازيا والرحلة.
ويختتم حمودة بأن أعماله المتأخرة، مثل «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة»، كشفت عن مغامرة جديدة تتجاوز حدود الأنواع الأدبية، مؤكدًا أن محفوظ ظل «تلميذًا أبديًا» لا يكتفي بما أنجزه، بل يبحث دائمًا عما يتجاوز الأشكال المستقرة، وهو ما يجعل دوره في الأدب العربي تأسيسيًا وتجديديًا ومغامرًا بامتياز.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض