رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار

 

لم تكن قصة الطفل يوسف فؤاد مدحت مجرد استغاثة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت خلال أسابيع إلى واحدة من أبرز الحملات الإنسانية التي تكاتف فيها المصريون من أجل إنقاذ طفل مصاب بضمور العضلات الدوشيني.
يوسف، ابن محافظة كفر الشيخ، دخل سباقًا مع الزمن للحصول على علاج جيني تبلغ تكلفته نحو 150 مليون جنيه، بعدما أكدت أسرته حاجته إلى العلاج قبل بلوغه السن المحددة للاستفادة منه. ومع انتشار قصته، تحرك مواطنون ومشاهير وصناع محتوى لدعمه، حتى نجحت الحملة في جمع المبلغ المطلوب، وفق ما أعلنته مصادر صحفية.
لكن المفارقة المؤلمة أن اللحظة التي كان يفترض أن تكون بداية انفراجة ليوسف، تحولت إلى أزمة جديدة، بعدما ظهرت اتهامات وتشكيكات في حقيقة مرضه وطريقة جمع التبرعات، ووصل الأمر إلى توجيه انتقادات للمشاهير الذين تدخلوا لمساندته، فضلًا عن إثارة علامات استفهام حول جهات رسمية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل أصبح من المقبول أن تتحول معاناة طفل مريض إلى ساحة مفتوحة للاتهامات لمجرد أن البعض قرر التشكيك؟
يوسف من الاستغاثة إلى اكتمال مبلغ العلاج
بدأت حكاية يوسف عندما ناشدت والدته أهل الخير والمؤسسات المساعدة في توفير تكلفة العلاج، موضحة أن طفلها يعاني من ضمور العضلات الدوشيني، وأن العلاج المطلوب غير متاح داخل مصر، بينما يمكن الحصول عليه في الخارج.
وتحدثت الأسرة عن تكلفة ضخمة للعلاج قدرت بنحو 150 مليون جنيه، وهو رقم يصعب على أسرة عادية توفيره بمفردها. لذلك تحولت المناشدة إلى حملة شعبية شارك فيها مواطنون من مختلف المحافظات، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إيصال صوت الطفل إلى عدد أكبر من الناس.
ولم يكن المواطنون وحدهم في المشهد، إذ تدخل عدد من المشاهير وصناع المحتوى للتعريف بحالة يوسف وحث الجمهور على مساعدته، لتتحول القضية إلى حملة تضامن واسعة هدفها الأساسي توفير فرصة العلاج للطفل.
وبالفعل، أعلنت مصادر صحفية في أغسطس الجاري وصول التبرعات إلى نحو 173 مليون جنيه، متجاوزة المبلغ المطلوب للعلاج، مع الإشارة إلى أن الحسابات الخاصة بالحملة فُتحت تحت إشراف وزارة التضامن الاجتماعي، وأن التعامل مع المبلغ الزائد يخضع للضوابط القانونية.
وهذه التفاصيل مهمة للغاية؛ لأنها تؤكد أن قضية التبرعات ليست مجرد عملية جمع أموال عشوائية، وإنما ارتبطت بإجراءات رسمية وجهات مختصة.
إحدى المحاميات تشكك في قصة يوسف.. أين الدليل؟
في خضم هذه القصة، ظهرت إحدى المحاميات بتصريحات ومنشورات أثارت جدلًا واسعًا، شككت خلالها في قصة الطفل، وتحدثت عن وجود شبهة فساد وتواطؤ، ووجهت اتهامات إلى الأسرة وبعض الجهات الرسمية، كما امتد حديثها إلى فنانين ومؤثرين شاركوا في دعم يوسف.
ومن حق أي شخص أن يطرح الأسئلة، ومن حق أي محامٍ أن يبحث عن الحقيقة، بل إن التدقيق في أموال التبرعات واجب إذا وُجدت مؤشرات حقيقية على وجود مخالفة.
لكن هناك فارقًا هائلًا بين السؤال والاتهام.
إذا كانت المحامية تمتلك مستندات تثبت أن الطفل غير مصاب بالمرض، أو أن التبرعات لم تُجمع وفق الإجراءات القانونية، أو أن الأموال تم تحويلها بطريقة غير مشروعة، فالمكان الطبيعي لهذه المستندات هو الجهات المختصة، وليس الاكتفاء بإطلاق اتهامات عبر مواقع التواصل.
والأخطر من ذلك هو الزج بأسماء المشاهير الذين تدخلوا لمساعدة الطفل، وكأن مجرد نشرهم لقضيته يجعلهم جزءًا من أي مخالفة مزعومة.
هؤلاء لم يذهبوا إلى أسرة يوسف للحصول على أموال، ولم يقدموا أنفسهم باعتبارهم جهات طبية أو رقابية؛ هم ببساطة استخدموا شهرتهم للوصول إلى جمهور واسع ومساعدة طفل يحتاج إلى علاج مكلف.
أما تحويل العمل الإنساني إلى اتهام، دون تقديم أدلة حاسمة، فهو ظلم لكل من حاول المساعدة، قبل أن يكون ظلمًا لأسرة يوسف.
محاولة للوصول إلى الحقيقة.. ولكن أين المستندات؟
ومن واقع دوري الصحفي، حاولت الوقوف على الجانب الآخر من القصة، فتواصلت مع إحدى المحاميات، وطلبت منها الاطلاع على المستندات التي تستند إليها في تشكيكها، كما طرحت عليها مجموعة من الأسئلة المتعلقة بتفاصيل الاتهامات التي أثارتها، حتى يتسنى عرض وجهة نظرها كاملة وبموضوعية.
لكن المحاولة لم تكتمل، إذ لم أتلقَّ المستندات أو الإجابات التي طلبتها، وهو ما يترك علامات استفهام حول الأساس الذي تستند إليه تلك الاتهامات، ويجعل تقديم الأدلة أمرًا ضروريًا قبل إطلاق أحكام تمس أسرة طفل مريض أو جهات رسمية أو شخصيات عامة شاركت في دعمه.
وهنا لا يتعلق الأمر بإسكات أي صوت أو منع أي شخص من طرح التساؤلات، وإنما بالبحث عن الحقيقة من جميع جوانبها.
فإذا كانت هناك مستندات، فيجب أن تظهر، وإذا كانت هناك وقائع مخالفة، فيجب أن تصل إلى الجهات المختصة، وإذا لم تكن هناك أدلة، فيجب ألا تتحول الشكوك إلى أحكام نهائية على الناس والمؤسسات.
القضية هنا أكبر من مجرد خلاف على مواقع التواصل، لأنها تفتح بابًا خطيرًا يتعلق بالثقة في حملات علاج المرضى، وفي الجهات التي تشرف على جمع التبرعات وتنظيمها.
فوزارة التضامن الاجتماعي، وغيرها من المؤسسات الرسمية، ليست فوق المساءلة، وأي مخالفة يثبت وقوعها يجب أن تخضع للتحقيق والمحاسبة، لكن في المقابل فإن توجيه اتهامات إلى مؤسسات الدولة يحتاج أيضًا إلى أدلة واضحة، وليس مجرد منشورات أو ادعاءات متداولة.
وهنا يجب أن تكون للدولة وقفة حاسمة مع أي تجاوز يثبت بالدليل، مع ضرورة التفريق بين النقد المشروع وبين الاتهامات التي لا تستند إلى مستندات.
ومن يريد الحقيقة فعلًا، فليطلبها من الجهات التي تملك حق التحقق والمحاسبة.
أما إطلاق الاتهامات ثم مطالبة الآخرين بإثبات براءتهم، فليس بحثًا عن الحقيقة، بل صناعة لمعركة جديدة على حساب طفل كان كل ما يريده أن يحصل على فرصة للعلاج.
والمصري الذي تبرع بجنيه واحد لم يكن يبحث عن شهرة، والفنان الذي نشر قصة الطفل لم يكن يبحث عن بطولة، والأم التي خرجت تستغيث لم تكن تبحث عن معركة.
الجميع كان أمام طفل مريض يريد فرصة للعلاج.
لذلك يجب أن تكون الكلمة الأخيرة للمستندات والجهات المختصة، وأن تكون المحاسبة هي الفيصل، حتى تظهر الحقيقة كاملة، ويصل يوسف إلى العلاج بعيدًا عن ضجيج الاتهامات.