خارج السطر
يبقى يوم 24 أغسطس سنة 1965 لغزاً مركباً يحتاج لتفسير.
كيف احتشد هؤلاء الآلاف بسرعة وعفوية دون سابق ترتيب؟ من أين أتوا بكل هذا الحب؟ وكيف خاطروا باستقرارهم فى سبيل الوفاء؟ وكيف رضوا بدفع ضريبة السير فى جنازة، حبساً وعسفاً وظلماً؟
قال لى الصديق الإعلامى والكاتب المتميز إبراهيم عيسى يوماً إن ما حدث فى جنازة مصطفى النحاس يحتاج لتفسير عميق، وتحليل شامل، فنظام يوليو أقصى كل الساسة السابقين وشوههم، واعتقد سدنة السلطة أنهم دفنوا مصطفى النحاس بالحياة عندما حددوا إقامته وفرضوا الحراسة على ممتلكاته، ثم سمحوا له بمعاش شهرى يدفع به تكاليف علاجه ومعيشته خلال سنوات العزلة.
لقد منع الرجل من الظهور فى المناسبات العامة، لا عيد جهاد ولا أى عيد، كان يتحرك بإذن، وينتقل بطلب، ولا يغادر باب بيته المخبرون. سكتت عنه الصحافة، نُزع اسمه من مقررات التاريخ المدرسى، تعرض للتجاهل والتجهيل حتى إن موظفة تعداد السكان زارت بيته مطلع الستينيات، فسألته عن اسمه فلما ذكره لها، سألته عن مهنته!
كان آخر زائر سياسى له هو د.طه حسين، مبعوثاً من جمال عبدالناصر إليه، طالباً منه تأييده عام 1962 تحت باب أنه لم يحاكمه ولم يتعرض له بسوء، لكن النحاس أبى وقال له إن عبدالناصر لم يحاكمه، لكنه حاكم سيدة بريئة مهيضة الجناح هى زوجته زينب الوكيل، وجعل الجلسة سرية، ورفض حضور المحامين، وأنه لم يراعِ فى ذلك أخلاقاً ولا نبلاً.
ورغم عدم تأييد النحاس لعبدالناصر، عملت آلة الدعاية السلطوية بقوة وفاعلية لنفخ صورة الزعيم الجديد، وإحلالها محل الزعيم مصطفى النحاس.
وظف الفن والإعلام والقوى الناعمة لخدمة النجم الصاعد، غنى عبدالحليم حافظ عن ناصر زعيم الحرية والاشتراكية وروح الأمة العربية، وحشدت الجماهير، ووزعت الصور، وكتبت الكتب، وتنوعت ألقاب جمال عبدالناصر بين قائد العرب، وزعيم حركات التحرر، وألصق الاسم على كل إنجاز، فأنشئ حى منشأة ناصر، وتأسس حى مدينة نصر، وتم تجميع سيارة باسم نصر.
حسبت السلطة أن مصطفى النحاس صار نسياً منسياً. تصور الهتيفة وسدنة الحكم أن نصيبه لن يزيد على سطر واحد فى رواية أحدهم، وأن أكبر شىء يمكن أن يحدث هو أن يترحم عليه أحد من باب الترحم على خلق الله.
لكن ما إن أذاعت إذاعة الإسكندرية نبأ الوفاة بتعليمات من حمدى عاشور محافظها عقب تلقيه، حتى تجمع الناس أشتاتاً من كل حدب ينتظرون وصول الجثمان. نقل الفقيد إلى داره فى جاردن سيتى، فخرج الأوفياء مئات ثم آلافاً، ثم عشرات الآلاف فى مشهد وفاء مؤثر قد لا يتكرر أبداً.
فوجئ المخبرون باتساع حلقات المشيعين، وفشلت الشرطة فى كبت تدفقهم عبر شوارع وأزقة القاهرة، وأيقن ولاة الأمور أنهم لن يتمكنوا من منع الجنازة أو تسييرها كما يشاءون. وتظهر الصور النادرة للجنازة جموعاً من عامة الناس يسيرون فى انسيابية نحو ميدان التحرير، ومنه إلى شارع سليمان، ثم صبرى أبوعلم، وصولاً إلى مسجد الكيخيا حيث تمت الصلاة عليه. ومرة أخرى تحركت الجنازة إلى مسجد الحسين حيث صلى عليه مرة ثانية قبل أن تنطلق به السيارة إلى مقابر البساتين.
سمع الناس هتافاً يردد بأنه «لا زعيم بعدك يا نحاس»، و«وداعاً إلى جنة الخلد»، ما أثار غضب عبدالناصر ورجاله، فانفجروا ثائرين بعمل أغرب قضية فى تاريخ الجرائم السياسية فى تاريخ مصر، وهى «السير فى جنازة النحاس»، حيث اعتُقل كل من ثبت قيامه بالسير فى الجنازة.
لكن ظل اليوم درساً فى الوفاء الشعبى.
والله أعلم
مصطفى عبيد
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض