رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

سد جوليوس نيريري.. قصة نجاح مصرية تعكس قوة القاهرة الناعمة في أفريقيا

سد “جوليوس نيريري”
سد “جوليوس نيريري” في تنزانيا

 لم يعد سد “جوليوس نيريري” في تنزانيا مجرد مشروع عملاق لتوليد الكهرباء، وإنما أصبح واحدًا من أبرز النماذج التي تعكس حضور مصر المتنامي في القارة الأفريقية، وتجسد قدرة الشركات والخبرات المصرية على تنفيذ المشروعات الكبرى خارج الحدود، بما يعزز العلاقات بين القاهرة ودار السلام ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون والتنمية في القارة السمراء.

 ويكتسب المشروع أهمية خاصة باعتباره ثمرة مباشرة للتعاون المصري التنزاني، حيث تولى تحالف مصري يضم شركتي “المقاولون العرب” و"السويدي إليكتريك" تنفيذ السد ومحطة التوليد الكهرومائية على نهر روفيجي، في مشروع ضخم يعكس حجم الثقة التي تحظى بها الشركات المصرية وقدرتها على تنفيذ مشروعات استراتيجية ذات طبيعة هندسية وفنية معقدة.

مشروع مصري على أرض تنزانيا:

 يمثل سد جوليوس نيريري أحد أكبر مشروعات البنية التحتية والطاقة في تنزانيا، وأضخم مشروع كهرومائي في البلاد، ويستهدف دعم احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء، وتعزيز قدراتها في مجال الطاقة، بما يدعم خطط التنمية الاقتصادية والصناعية ويفتح المجال أمام تنفيذ المزيد من المشروعات التنموية.

 ويقع المشروع على نهر روفيجي داخل محمية نيريري الوطنية، ويشمل إنشاء سد رئيسي بطول نحو 1025 مترًا، إلى جانب محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية بقدرة تصل إلى 2115 ميجاوات، وبحيرة تخزين تبلغ سعتها نحو 34 مليار متر مكعب من المياه، بما يجعل المشروع أحد أهم مشروعات الطاقة في شرق القارة الإفريقية.

 

2.9 مليار دولار لتنفيذ المشروع:

 وتعود بداية المشروع إلى ديسمبر 2018، عندما وقع التحالف المصري المكون من المقاولون العرب والسويدي إليكتريك عقد تنفيذ سد ومحطة توليد الكهرباء بقيمة تصل إلى 2.9 مليار دولار، وذلك بحضور قيادات مصرية وتنزانية، في خطوة عكست ثقة الجانب التنزاني في القدرات والإمكانات المصرية.

 ويستهدف المشروع إنتاج نحو 2115 ميجاوات من الكهرباء، بما يسهم في زيادة إمدادات الطاقة في تنزانيا، وتوفير احتياجات قطاعات الصناعة والإنتاج والخدمات، ودعم جهود الدولة التنزانية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن تحسين مستوى البنية الأساسية للطاقة.

أيادٍ مصرية تصنع التنمية في أفريقيا:

 وتبرز أهمية سد جوليوس نيريري في أنه لم يكن مجرد صفقة تجارية لشركات مصرية، بل تحول إلى نموذج للتعاون التنموي بين مصر ودولة إفريقية شقيقة، حيث شاركت الخبرات والكوادر المصرية في تنفيذ واحد من أضخم المشروعات الهندسية في تنزانيا، بما يعكس قدرة مصر على تصدير الخبرة والمعرفة إلى القارة.

 ويجسد المشروع مفهومًا متقدمًا للقوة الناعمة المصرية في إفريقيا، فالقوة الناعمة لا تقتصر على الأدوات السياسية والدبلوماسية أو التبادل الثقافي، وإنما تمتد إلى قدرة الدولة على تقديم خبراتها وكفاءاتها وشركاتها للمساهمة في بناء مشروعات تنموية تحقق مصالح الشعوب، وتترك أثرًا ملموسًا ومستدامًا على الأرض.

 

إنجاز هندسي يعكس قوة الشركات المصرية:

 لم تقتصر الأعمال على إنشاء جسم السد ومحطة توليد الكهرباء، وإنما شملت مجموعة كبيرة من المنشآت الهندسية المرتبطة بالمشروع، من بينها أنفاق لتحويل المياه، ومحطة لتوزيع وربط الكهرباء، وسدود فرعية لتكوين الخزان المائي، وطرق دائمة لربط مكونات المشروع وتسهيل حركة المعدات والعاملين.

 كما تضمن المشروع إنشاء كوبري خرساني دائم على نهر روفيجي، بطول نحو 250 مترًا، وقادر على تحمل حمولات تصل إلى 300 طن، بما ساهم في نقل المعدات والتوربينات والأجزاء الضخمة المستخدمة في تنفيذ المشروع، وأصبح أحد العناصر المهمة في البنية التحتية للمنطقة.

 ويضم المشروع كذلك مبنى لتجميع وتركيب التوربينات، شهد أعمالًا هندسية ضخمة واستخدام أوناش عملاقة وصلت حمولة الواحد منها إلى نحو 400 طن، بما يعكس حجم المعدات والتجهيزات المطلوبة لتنفيذ هذا المشروع العملاق وفق المعايير الهندسية والفنية اللازمة.

 

من الكهرباء إلى التنمية الاقتصادية:

 ولا تقتصر أهمية سد جوليوس نيريري على إنتاج الكهرباء فقط، إذ يمثل المشروع ركيزة أساسية في خطط تنزانيا لتحقيق التنمية الاقتصادية، من خلال توفير طاقة مستقرة تدعم القطاعات الصناعية والإنتاجية، وتشجع الاستثمار، وتساعد على تنفيذ مشروعات جديدة تحتاج إلى مصادر طاقة مستدامة.

 ومن هنا، فإن نجاح المشروع يحمل أبعادًا تتجاوز الجانب الهندسي، إذ يرسخ صورة الشركات المصرية باعتبارها شريكًا قادرًا على تنفيذ المشروعات التنموية الكبرى في إفريقيا، وهو ما يمكن أن يفتح الباب أمام مشاركة مصرية أوسع في مشروعات البنية الأساسية والطاقة والنقل والمياه في دول القارة.

متابعة رئاسية مصرية للمشروع:

 وحظي مشروع سد جوليوس نيريري باهتمام ومتابعة مستمرة من الرئيس عبدالفتاح السيسي، في ضوء ما يمثله من أهمية للعلاقات المصرية التنزانية، حيث أكدت القاهرة منذ انطلاق المشروع حرصها على دعمه وتوفير المساندة اللازمة أمام الشركات المصرية المنفذة له.

 كما أوضح الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن المشروع شهد متابعة مستمرة، مع رفع تقارير دورية حول تطورات التنفيذ ومراحل العمل، مشيرًا إلى وجود دعم وتوجيهات مستمرة من القيادتين المصرية والتنزانبة لتذليل العقبات التي واجهت المشروع والوصول به إلى مراحل التشغيل والإنجاز.

 

رسالة مصرية إلى إفريقيا:

 ويحمل سد جوليوس نيريري رسالة واضحة مفادها أن مصر لا تنظر إلى علاقاتها مع دول إفريقيا من منظور سياسي فقط، وإنما تسعى إلى بناء شراكات قائمة على التنمية والمصالح المشتركة وتبادل الخبرات، وهو ما يمنح العلاقات المصرية الإفريقية بعدًا عمليًا يترجم على أرض الواقع.

 ويكشف نجاح المشروع أن مصر تمتلك من الكفاءات والخبرات الهندسية والفنية ما يؤهلها للمنافسة بقوة في سوق المشروعات الكبرى بالقارة، كما يؤكد أن الشركات المصرية قادرة على العمل في بيئات مختلفة وتنفيذ مشروعات استراتيجية تترك بصمة واضحة في الدول التي تعمل بها.

 

قوة مصر الناعمة.. إنجاز يتحدث عن نفسه:

 ويبرز سد جوليوس نيريري باعتباره نموذجًا مهمًا لقوة مصر الناعمة في إفريقيا، فالمشروع الذي شيدته شركات مصرية على أرض تنزانيا أصبح شاهدًا على قدرة القاهرة على تحويل العلاقات السياسية إلى مشروعات وشراكات حقيقية يستفيد منها المواطن الإفريقي.

 ومن خلال هذا المشروع، استطاعت مصر أن تقدم نموذجًا مختلفًا للقوة الناعمة، عنوانه الخبرة والكفاءة والتنمية، وأن تؤكد أن الحضور المصري في إفريقيا يمكن أن يتحول إلى شراكات استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على المصالح المشتركة واحترام احتياجات الشعوب ودعم حقها في التنمية.

 وبينما يمثل سد جوليوس نيريري نقلة مهمة في قطاع الطاقة التنزاني، فإنه في الوقت نفسه يمثل نجاحًا مصريًا بارزًا في القارة الأفريقية، ويؤكد أن قوة مصر في أفريقيا لا تستند فقط إلى تاريخها وعلاقاتها السياسية، وإنما أيضًا إلى قدرتها على البناء والمشاركة في صناعة مستقبل القارة، وهو ما يجعل المشروع علامة مضيئة في مسار العلاقات المصرية التنزانية ونموذجًا يمكن البناء عليه لسنوات مقبلة.