رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

نبض الكلمات


لم يعد تراجع الذوق العام مجرد ملاحظة عابرة أو شكوى من جيل يحنّ إلى الماضي، بل أصبح ظاهرة تستحق التوقف أمامها بكل جدية. فنحن أمام مشهد تتراجع فيه قيمة الكلمة، ويعلو فيه صوت الضجيج، وتتحول فيه التفاهة إلى وسيلة للشهرة، والإسفاف إلى طريق سريع نحو ملايين المشاهدات،المشكلة ليست في اختلاف الأذواق ، فالاختلاف سنة الحياة، وإنما الكارثة حين يصبح الرديء هو القاعدة، والراقي هو الاستثناء، وحين تصبح الشهرة معيارا للنجاح مهما كان ثمنها من قيم المجتمع وكرامته ووعيه.
في الفن، لم يعد اسم الفنان مرتبطا بالضرورة بموهبته أو قدرته على صناعة وجدان الناس، وإنما بعدد المشاهدات وحجم الجدل الذي يستطيع إشعاله، وفي عصر «التريند»، أصبح المحتوى الأكثر إثارة للجدل قادرًا على اختطاف المشهد، حتى لو كان فقيرا او مبتذلا في المضمون والمعني ، وقد حذرت تقارير وتحليلات عديدة من تأثير المنصات الرقمية في تشكيل الذوق والسلوك العام، بينما تؤكد اليونسكو أن التحول الرقمي يعيد تشكيل الصناعات الثقافية والإبداعية بصورة عميقة.
وليس الفن وحده الذي دفع الثمن.
السياسة أيضا أصابها نصيب من هذا المرض 
فبدل أن تكون السياسة مساحة للأفكار والبرامج والرؤى ومناقشة قضايا الناس، تتحول أحيانا إلى معارك كلامية، ومزايدات، وتراشق بالاتهامات، واستعراض أمام الكاميرات، ويصبح السياسي الذي يثير الجدل أكثر حضوراً من السياسي الذي يملك رؤية، ويصبح التصريح الصادم أسرع انتشارا من البرنامج الانتخابي، والجملة المثيرة أكثر تداولا من الفكرة التي يمكن أن تغير حياة الناس ، وهنا تكمن الخطورة ، لأن السياسة حين تفقد احترامها للكلمة، تفقد جزءا  من احترام الناس لها ، والأخطر من ذلك أن السوشيال ميديا صنعت اقتصادا جديدا يقوم في أحيان كثيرة على قاعدة بسيطة، كلما أثرت في أعصاب الناس، زادت فرص الانتشار ولذلك أصبح البعض يتعمد الصدمة، والاستفزاز، والفضائح، والمشاحنات، لأن الخوارزمية لا تسأل دائمًا: هل ما تقدمه راقٍ؟ وإنما تسأل عمليا،  هل جعلت الناس يتوقفون ويشاهدون ويتفاعلون؟
وقد شهدت مصر خلال الفترة الأخيرة جدلاً واسعا حول محتوى بعض صناع المحتوى، حتى أعلنت تيك توك حذف نحو 2.9 مليون فيديو في مصر خلال الربع الأول من 2025 لمخالفتها إرشادات المنصة، في مؤشر يكشف حجم المعركة الدائرة حول المحتوى الرقمي والذوق العام ، لكن علينا أن نكون أكثر إنصافا.
لا يمكن أن نلقي كل اللوم على المنصات.
فالجمهور شريك في صناعة ما يشاهده، عندما نمنح التفاهة ملايين المشاهدات، فنحن نمنحها شهادة نجاح، وعندما نحول صاحب المحتوى السطحي إلى نجم، فإننا نرسل رسالة إلى الأجيال الجديدة مفادها أن الطريق الأقصر إلى الشهرة ليس الموهبة والعمل والاجتهاد، وإنما القدرة على إثارة الجدل بأي ثمن.
لقد أصبحنا أحيانا نعيش في مجتمع يكافئ من يصرخ أكثر، لا من يفكر أكثر ، ومن يثير الجدل، لا من يقدم الحل، ومن يملك الجرأة على تجاوز الحدود، لا من يملك الشجاعة على احترامها ، وهذه ليست أزمة فن فقط.. إنها أزمة تربية وثقافة وإعلام وأسرة ومؤسسات.
فالذوق العام لا يولد فجأة، وإنما تصنعه المدرسة والبيت والشارع والجامعة والإعلام والفن والقدوة، وإذا غابت القدوة، احتلت الشاشة مكانها....وإذا تراجع الكتاب، تقدمت الشاشة الصغيرة، وإذا اختفى الحوار الهادئ، تصدرت الشتيمة والمشاجرة المشهد.
ومن هنا فإن مواجهة تردي الذوق العام لا تعني مصادرة الإبداع أو فرض نموذج واحد للفن، ولا تعني تحويل المجتمع إلى ساحة رقابة خانقة، وإنما تعني أن نعيد الاعتبار إلى الموهبة والقيمة والرسالة والمسؤولية.
نريد فنا يختلف فيه الناس، لكن لا يبتذلهم.
نريد سياسة يختلف فيها الخصوم، لكن لا تتحول إلى سوق للسباب والتشهير.
نريد إعلاما جريئا، لكن لا يجعل من الفضائح مادة للترفيه ، نريد سوشيال ميديا مفتوحة، لكن لا تصبح فيها التفاهة الطريق الوحيد إلى الشهرة..لقد عرف المصريون أزمنة كان فيها الفنان الكبير يُحترم لأنه صنع قيمة، والسياسي يُحترم لأنه امتلك موقف ومبدأ، والصحفي يُحترم لأنه امتلك قلما كالسيف، والمثقف يُحترم لأنه امتلك عقلا مثقفا.
أما اليوم، فالمشهد يحتاج إلى وقفة ضمير ، فليس كل ما يحقق ملايين المشاهدات يستحق أن نشاهده، وليس كل من تصدر «التريند» يستحق أن يكون قدوة، وليس كل من امتلك ميكروفونا أصبح صاحب رسالة، وليس كل من ارتدى ثوب السياسة أصبح رجل دولة...إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن تنتشر فيه التفاهة، وإنما أن يفقد القدرة على التمييز بين التفاهة والقيمة.
وهنا يجب أن تبدأ المعركة الحقيقية..
معركة استعادة احترام الكلمة، وهيبة الفن، ونظافة السياسة، وقيمة الثقافة، وكرامة الإنسان ، فالأمم لا تنهار فقط عندما تتراجع اقتصادياتها، وإنما تبدأ في الانهيار حين يصبح القبح عاديا، والابتذال مقبولا، والتفاهة نموذجا للنجاح...آن الأوان أن نستعيد حقنا في الجمال.. وأن نقول بوضوح: ليس كل ما يلمع نجومية، وليس كل ما يثير الضجيج فنا، وليس كل من يتصدر المشهد يستحق أن يكون في المقدمة ، فالمجتمع الذي يرفع قيمة الرقي يصنع أجيالا تعرف معنى الاختلاف، أما المجتمع الذي يكافئ الإسفاف، فسوف يدفع ثمن ذلك من ذوق أبنائه ووعيهم ومستقبلهم
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام إتحاد المرأة الوفديه 
[email protected]