رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج المقصورة

 

 

«أن تأتى متأخرًا خيرٌ من ألا تأتى أبدًا».. حكمة شهيرة تختصر ببساطة أن الوصول متأخرًا يظل أفضل كثيرًا من عدم الوصول. وربما تنطبق هذه الحكمة على تعامل الحكومة مع البورصة المصرية، التى ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام الحقيقى، رغم كونها واحدة من أهم منصات التمويل والاستثمار، وكأنها أداة مخصصة للأثرياء وحدهم، وليست سوقًا قادرة على خدمة الاقتصاد والمواطن والمستثمر فى آن واحد.

المشهد بدأ يتغير أخيرًا.. انتقلت البورصة من هامش الاهتمام إلى قلب المشهد الاقتصادى، وأصبحت تحظى بحضور لافت فى الحسابات الحكومية، وكأن الدولة اكتشفت فجأة أنها أمام «بئر كنوز» يمكن أن يوفر التمويل، ويدعم الاستثمار، ويمنح الاقتصاد متنفسًا بعيدًا عن الاعتماد المفرط على مصادر التمويل التقليدية.

لعل الضغوط التى فرضتها سنوات التعامل مع صندوق النقد الدولى، وما ترتب عليها من أعباء اقتصادية تحمل المواطن جانبًا منها، دفعت إلى البحث عن بدائل أكثر استدامة. فالتوسع فى الاعتماد على التمويل الخارجى ليس حلًا دائمًا، والانفصال التدريجى عن برامج الصندوق، إن حدث، يحتاج إلى أدوات محلية قادرة على توفير السيولة، وتمويل احتياجات الاقتصاد، والمساهمة فى مواجهة أعباء الموازنة.

فى السردية الوطنية الصادرة فى نهاية ديسمبر 2025، برز برنامج الطروحات ومصادر التمويل البديلة كأحد المسارات المهمة فى المرحلة المقبلة. وهنا تبدو البورصة أمام فرصة تاريخية، إذ يمكن لبرنامج الطروحات الحكومية أن يلعب أكثر من دور فى الوقت نفسه؛ فهو ليس مجرد وسيلة لتوفير موارد مالية للدولة، وإنما يمكن أن يصبح أيضًا «فرامل» حقيقية أمام المبالغات السعرية التى بدأت تظهر على بعض الأسهم، بعدما تحولت أسعار عدد منها إلى مستويات تثير القلق، وتهدد بتحويل السوق إلى فقاعة يدفع ثمن انفجارها صغار المستثمرين.

شهدت بعض الأسهم والقطاعات مؤخرًا قفزات لافتة، وصلت فى حالات إلى مستويات يصعب تبريرها وفق الأساسيات المالية للشركات. والأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه الأسهم تفتقر إلى تاريخ أو مقومات تشغيلية تبرر تلك القفزات، بينما لعب انخفاض نسبة التداول الحر دورًا فى سهولة التأثير على الأسعار صعودًا وهبوطًا.

من هنا فإن قيد شركات حكومية جديدة بالبورصة يجب ألا يكون مجرد خطوة لزيادة عدد الشركات المقيدة، بل بداية حقيقية لإعادة التوازن إلى السوق. فدخول كيانات كبيرة ذات رءوس أموال وأصول قوية يمكن أن يوسع قاعدة الاستثمار، ويزيد عمق السوق، ويوفر بدائل حقيقية أمام المستثمرين، ويحد فى الوقت نفسه من انجذاب السيولة إلى أسهم محدودة التداول قابلة للمبالغة والتلاعب.

أما الارتفاعات المريبة، فتتركز فى كثير من الأحيان فى الأسهم ذات نسب التداول الحر المنخفضة، حيث تصبح حركة السعر أكثر قابلية للتأثر، وهو ما يستوجب تحركًا أكثر حسمًا من جانب الهيئة العامة للرقابة المالية، من خلال دفع الشركات ذات التداول الحر المحدود إلى زيادة النسب المتاحة للتداول، سواء عبر زيادات رؤوس الأموال أو تشجيع المساهمين الرئيسيين على طرح جزء من حصصهم فى السوق، بما يرفع عمق التداول ويقلل فرص التحكم المصطنع فى الأسعار.. طرح شركات حكومية كبرى يمكن أن يسحب البساط من تحت أقدام المتلاعبين، ويعيد توجيه السيولة نحو شركات ذات أساس مالى وتشغيلى أقوى، بدلًا من تركها أسيرة لأسهم محدودة التداول وسهلة التأثير.

< يا سادة.. البورصة ليست ناديًا للأغنياء، وليست ساحة للمضاربة فقط؛ إنها أداة تمويل واستثمار لا غنى عنها لأى اقتصاد يريد أن ينمو. والتاريخ يؤكد أن أسواق المال القوية كانت دائمًا شريكًا فى التنمية.