من لون أزرق إلى أمل دوائي..
رسالة دكتوراه بعلوم الزقازيق تبحث أسرار «البيوسيانين» ومقاومته للميكروبات والخلايا السرطانية
في دراسة علمية تكشف جانبًا جديدًا من الإمكانات التي تحملها المركبات الحيوية التي تنتجها الكائنات الدقيقة، ناقشت كلية العلوم بجامعة الزقازيق، رسالة دكتوراه تناولت صبغة «البيوسيانين» المنتجة بواسطة بكتيريا Pseudomonas aeruginosa «الزائفة الزنجارية»، وذلك من خلال دراسة خصائصها البيولوجية والكيميائية، والظروف المثلى لإنتاجها، فضلًا عن اختبار قدرتها على مقاومة عدد من البكتيريا والفطريات، وتأثيرها المثبط لنمو الخلايا السرطانية.
وجاءت الرسالة بعنوان «دراسات بيولوجية وتوصيف صبغة البيوسيانين المنتجة من بكتيريا سيدوموناس أريجينوزا»، وقدمها الباحث وائل محمد علي السيد، الحاصل على درجة الماجستير في الميكروبيولوجي عام 2018، كجزء متمم للحصول على درجة دكتوراه الفلسفة في العلوم، تخصص الميكروبيولوجي، بكلية العلوم بجامعة الزقازيق، تحت إشراف الدكتور وسام عبد الغني حسين، أستاذ الميكروبيولوجي بقسم النبات والميكروبيولوجي بكلية العلوم، والدكتورة فيفي محمد رضا، أستاذ الميكروبيولوجي بالقسم نفسه، والدكتور علاء الدين عبد الباسط هدهود، أستاذ الميكروبيولوجي والمناعة بكلية الطب جامعة الزقازيق.
وشارك الدكتور إبراهيم الشوربجي في مناقشة الرسالة باعتباره محكمًا ورئيسًا للجنة المناقشة والحكم، في إطار مناقشة علمية تناولت ما توصلت إليه الدراسة من نتائج بشأن خصائص صبغة البيوسيانين وإمكاناتها الحيوية والتطبيقية، حيث ركزت الرسالة على أحد المركبات الثانوية التي تنتجها بكتيريا Pseudomonas aeruginosa، وما يمكن أن تمثله هذه الصبغة من أهمية في المجالات الطبية والدوائية والصناعية مستقبلًا.
وانطلقت الدراسة من الاهتمام المتزايد بالمركبات الحيوية التي تنتجها الكائنات الدقيقة، لما تمتلكه من خصائص دوائية وتطبيقات صناعية واعدة، واستهدفت عزل صبغة البيوسيانين من بكتيريا الزائفة الزنجارية المعزولة من مرضى الحروق والجروح، ثم دراسة العوامل البيئية والغذائية المؤثرة في إنتاج الصبغة، وتقييم خصائصها الكيميائية والحيوية، إلى جانب اختبار نشاطها المضاد للميكروبات وتحديد أقل تركيز مثبط لنمو الكائنات الدقيقة المختبرة.
وجمع الباحث 65 عزلة بكتيرية من عينات مأخوذة من مرضى الحروق والجروح بمستشفى الجراحة بجامعة الزقازيق بمحافظة الشرقية، وأظهرت الفحوص الميكروبيولوجية والكيميائية الحيوية أن 45 عزلة كانت سالبة الجرام، بينما كانت 20 عزلة موجبة الجرام، كما تبين أن 41 عزلة تنتمي إلى بكتيريا Pseudomonas aeruginosa المنتجة لصبغة البيوسيانين، وبعد مقارنة كفاءة العزلات في إنتاج الصبغة، حققت العزلتان Z57 وZ62 أعلى معدلات الإنتاج، وتم تأكيد هويتهما باستخدام الاختبارات الكيميائية الحيوية والتشخيص الجزيئي القائم على تحليل جين 16S rRNA.
وتناولت الدراسة كذلك تحديد الظروف المثلى التي تساعد على زيادة إنتاج البيوسيانين، حيث أظهرت النتائج أن أفضل إنتاجية تحققت باستخدام وسط Luria-Bertani Broth المعدل عند درجة حموضة 7، ودرجة حرارة 35 درجة مئوية، ولمدة أربعة أيام داخل حاضنة هزازة بسرعة 120 دورة في الدقيقة، كما أدى استخدام الجلوكوز كمصدر للكربون والكازين كمصدر للنيتروجين إلى زيادة إنتاج الصبغة، وأظهرت النتائج إمكانية الاستفادة من الدبس وزيت القلي النباتي المستعمل كمصادر بديلة منخفضة التكلفة للكربون، مع تفوق زيت القلي النباتي في دعم إنتاج البيوسيانين.
ولم تتوقف الدراسة عند إنتاج الصبغة، وإنما امتدت إلى استخلاصها وتوصيفها، حيث استخدم الباحث الكلوروفورم في عملية الاستخلاص، ونتج مركب أزرق اللون تحول إلى الأحمر الوردي بعد إضافة حمض الهيدروكلوريك، ثم جرى تنقية البيوسيانين باستخدام كروماتوغرافيا العمود المعتمدة على السيليكا جل، وتوصيفه باستخدام المطياف الضوئي عند طول موجي 520 نانومتر، وأشارت النتائج إلى أن الصبغة تنتمي إلى مجموعة الفينازينات، وتحمل الصيغة الجزيئية C14H12N2O وفق ما توصلت إليه الدراسة.
وكشفت النتائج عن امتلاك البيوسيانين نشاطًا مثبطًا واضحًا ضد مجموعة من البكتيريا والفطريات الممرضة التي خضعت للاختبار، مع تحديد أقل تركيز مثبط للنمو، حيث بلغ 0.8 ميكروجرام/مل و0.6 ميكروجرام/مل للبيوسيانين المستخلص من العزلتين Z57 وZ62 على التوالي ضد الكائنات المختبرة، كما أظهرت النتائج تفاوتًا في درجة الحساسية تجاه الصبغة بين الأنواع المختلفة، وهو ما يدعم أهمية مواصلة دراسة خصائصها المضادة للميكروبات وإمكانات الاستفادة منها في التطبيقات الطبية والدوائية.
كما بحثت الرسالة تأثير البيوسيانين على الخلايا السرطانية، وأظهرت النتائج وجود تأثير مثبط لنمو الخلايا السرطانية، وهو ما يفتح المجال أمام دراسة هذا المركب بصورة أوسع باعتباره مادة طبيعية ذات إمكانات حيوية متعددة، مع التأكيد على أن هذه النتائج البحثية تمثل أساسًا لدراسات مستقبلية أكثر تقدمًا لتحديد آليات التأثير ومدى إمكانية تحويل هذه الخصائص إلى تطبيقات علاجية آمنة وفعالة.
وأظهرت الدراسة في الوقت نفسه أن صبغة البيوسيانين تتأثر بدرجات الحرارة المرتفعة، إذ انخفض نشاطها الحيوي بصورة ملحوظة عند تعرضها لدرجات حرارة تتجاوز 70 درجة مئوية، وهو ما يمثل عاملًا مهمًا يجب مراعاته عند التفكير في طرق حفظ الصبغة أو استخدامها في التطبيقات المختلفة، خاصة في ظل السعي إلى الاستفادة من المركبات الطبيعية المنتجة بواسطة الكائنات الدقيقة.
وتوصلت الرسالة في مجمل نتائجها إلى أن بكتيريا Pseudomonas aeruginosa المعزولة من مرضى الحروق تمثل مصدرًا واعدًا لإنتاج صبغة البيوسيانين، وأن تحسين الظروف الغذائية والبيئية يمكن أن يؤدي إلى زيادة إنتاجها، بينما أظهرت الصبغة خصائص مضادة للبكتيريا والفطريات، إلى جانب نشاط مثبط لنمو الخلايا السرطانية، بما يجعلها محل اهتمام بحثي في مجالات الميكروبيولوجي والدواء والتطبيقات الطبية، مع الحاجة إلى مزيد من الدراسات العلمية قبل الانتقال من النتائج المعملية إلى أي استخدامات علاجية أو دوائية.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







