ما زالت هناك أفكار راسخة، في مجتمعاتنا العربية، تربط القوة بالصرامة، والحزم بخشونة الطباع، حتى بات الإنسان الذي يتعامل مع الآخرين بقدر كبير من التسامح واللين عرضة لأحكام متسرعة تصفه بالضعف أو عدم القدرة على المواجهة.
والحقيقة أن كثيرًا من الناس يخلطون بين الطيبة والضعف، وبين التسامح والعجز، رغم أن الفارق بينهما كبير.
الطيب متسامح مع نفسه، لا يعيش حياته في حالة صراع دائم مع من حوله، ولا يبحث عن الانتصار في كل موقف، بل يدرك أن العلاقات الإنسانية أكبر من أي خلاف عابر، وأن الحفاظ على الود أحيانًا أهم من إثبات أنه على حق، لذلك يختار أن يتغاضي عن الأخطاء ويتجاوز عن الزلات ويمنح الآخرين فرصًا جديدة، ليس لأنه عاجز عن الرد، بل لأنه يرى أن بعض المعارك لا تستحق أن تُخاض.
غير أن المشكلة تبدأ عندما يفسر البعض هذا السلوك النبيل تفسيرًا خاطئًا. فمع تكرار التسامح يعتقد بعض الأشخاص أنهم أمام شخصية لا تعرف الدفاع عن نفسها، أو أنها تخشى المواجهة، ومع الوقت يتحول الاحترام إلى استغلال، والتقدير إلى تجاوز للحدود، لأنهم لم يدركوا أن الصمت في كثير من الأحيان قرار واعٍ، وليس علامة على الضعف.
أرى أن التسامح يحتاج إلى قدر كبير من القوة الداخلية، فمن يستطيع السيطرة على غضبه وانفعالاته، والتفكير بعقلانية في لحظة الاستفزاز، يمتلك من القوة ما لا يمتلكه من يندفع إلى الشجار والخصام عند أول خلاف. ولهذا جاءت الكثير من القيم الدينية والإنسانية لتؤكد أن العفو عند المقدرة من أعلى درجات القوة.
ولا يعني ذلك أن الطيبة يجب أن تكون بلا حدود، فالتسامح فضيلة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى باب مفتوح للاستغلال، والإنسان المتزن هو الذي يعرف متى يعفو ومتى يتوقف ومتى يمنح فرصة جديدة ومتى يضع حدًا للتجاوزات.
في اعتقادي أن أخطر ما يواجه أصحاب القلوب الطيبة هو النظرة السطحية التي تختزل شخصياتهم في جانب واحد فقط، فهؤلاء ليسوا أقل قوة من غيرهم، بل ربما يكونون الأكثر قدرة على مواجهة الحياة، لأنهم يحملون أعباءهم في صمت، ويتحملون أخطاء الآخرين بصبر، ويواصلون العطاء رغم ما يتعرضون له من خذلان أحيانًا.
تبقى الطيبة إحدى أنبل الصفات الإنسانية مهما حاول البعض تصويرها على أنها ضعف. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على إيذاء الآخرين وإنما في الحفاظ على إنسانيتنا وسط عالم يزداد قسوة يومًا بعد يوم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
