لا تنخدع بالحسابات المزيفة.. عقوبات قانونية تنتظر مرتكبيها
في ظل التوسع المتسارع في استخدام الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، لم تعد الجرائم المرتكبة عبر الفضاء الإلكتروني تقتصر على اختراق الحسابات أو سرقة البيانات، وإنما امتدت إلى صور متعددة من الاعتداء على الهوية الرقمية والخصوصية والبيانات الشخصية، من بينها إنشاء مواقع أو حسابات أو عناوين بريد إلكتروني ونسبتها زورًا إلى أشخاص آخرين.
ومع تزايد الاعتماد على الحسابات الإلكترونية في المعاملات اليومية والتواصل والعمل، أصبحت حماية الهوية الرقمية جزءًا أساسيًا من منظومة الحماية القانونية.
وفي مصر، وضع المشرع إطارًا قانونيًا لمواجهة هذه الأفعال من خلال القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الذي تضمن مجموعة من العقوبات المتعلقة بالدخول غير المشروع إلى المواقع والحسابات، والاعتداء على البيانات، وانتهاك الخصوصية، فضلًا عن الجرائم المرتبطة باصطناع الحسابات والمواقع والبريد الإلكتروني ونسبتها زورًا إلى الغير.
عقوبات صارمة لمواجهة الجرائم الإلكترونية
ويستهدف القانون مواجهة صور متعددة من إساءة استخدام التكنولوجيا، خاصة مع تحول الحسابات الإلكترونية إلى جزء أساسي من الهوية الرقمية للأفراد والمؤسسات، وهو ما يجعل انتحال هذه الهوية أو استخدامها في أعمال مخالفة للقانون مصدرًا لأضرار قد تمتد إلى السمعة والمصالح المالية والشخصية.
ولا تقتصر العقوبات الواردة بالقانون على جريمة واحدة، وإنما تتدرج بحسب طبيعة الفعل والنتائج المترتبة عليه، بحيث تختلف العقوبة بين مجرد الدخول غير المشروع إلى حساب أو نظام معلوماتي، وبين استخدام البيانات أو تغييرها أو محوها أو إعادة نشرها، وصولًا إلى جرائم الاحتيال والاعتداء على وسائل الدفع الإلكتروني وانتهاك الحياة الخاصة.
الدخول غير المشروع إلى الحسابات
ومن بين الأفعال التي تناولها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الدخول عمدًا أو عن طريق الخطأ غير العمدي إلى موقع أو حساب خاص أو نظام معلوماتي محظور الدخول إليه، مع البقاء فيه دون وجه حق.
وتزداد العقوبة إذا ترتب على الدخول غير المشروع إتلاف أو محو أو تغيير أو نسخ أو إعادة نشر البيانات والمعلومات الموجودة على الموقع أو الحساب أو النظام المعلوماتي، بما يعكس أهمية حماية البيانات الرقمية من العبث أو الاستخدام غير المصرح به.
كما تناول القانون حالة الشخص الذي يمتلك أصلًا حق الدخول إلى موقع أو حساب أو نظام معلوماتي، لكنه يتجاوز حدود الحق الممنوح له من حيث مدة الدخول أو مستوى الصلاحيات، حيث اعتبر تجاوز حدود التصريح صورة من صور الاعتداء التي تستوجب المساءلة وفقًا للضوابط القانونية.
اصطناع المواقع والحسابات والبريد الإلكتروني
ومن أبرز الجرائم التي يركز عليها القانون اصطناع المواقع والحسابات الخاصة والبريد الإلكتروني ونسبتها زورًا إلى شخص طبيعي أو اعتباري.
وتكتسب هذه الجريمة أهمية خاصة في ظل انتشار استخدام منصات التواصل الاجتماعي والخدمات الإلكترونية، إذ يمكن للحساب المصطنع أن يستخدم في انتحال شخصية شخص آخر، أو التواصل باسمه، أو نشر معلومات منسوبة إليه، أو الإضرار بسمعته أو مصالحه.
ويتعامل القانون مع هذا النوع من الأفعال باعتباره اعتداءً على الهوية الرقمية، خاصة عندما يكون إنشاء الحساب أو الموقع مصحوبًا باستخدامه في ارتكاب جريمة أخرى أو إلحاق ضرر بالشخص الذي نُسب إليه الحساب أو الموقع.
حماية الخصوصية من الانتهاكات الإلكترونية
وتشمل الحماية القانونية كذلك جرائم الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة والمحتوى المعلوماتي غير المشروع، ومن بينها نشر معلومات أو أخبار أو صور وما في حكمها تنتهك خصوصية شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة.
كما يتناول القانون إرسال عدد كبير من الرسائل الإلكترونية إلى شخص معين بصورة كثيفة ودون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكتروني بهدف الترويج للسلع أو الخدمات دون الحصول على الموافقة.
وتوضح هذه النصوص أن الحق في الخصوصية لا يسقط بمجرد استخدام الشخص للإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي، وأن نشر معلومة أو صورة شخصية عبر الوسائل الإلكترونية لا يعني بالضرورة إباحة إعادة استخدامها أو تداولها دون ضوابط.
البيانات الشخصية تحت الحماية
وتصل الحماية إلى استخدام البرامج أو التقنيات المعلوماتية في معالجة بيانات شخصية للغير بطريقة تربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة أو تعرضها بصورة من شأنها المساس باعتبار الشخص أو شرفه.
ويعكس ذلك توجهًا تشريعيًا نحو التعامل مع البيانات الشخصية باعتبارها عنصرًا حساسًا يحتاج إلى حماية، خاصة في ظل قدرة الوسائل الرقمية على نشر المعلومات بسرعة والوصول بها إلى أعداد كبيرة من المستخدمين.
الاحتيال والاستيلاء على أموال الغير
ولم يغفل القانون الجرائم المرتبطة بالبطاقات البنكية ووسائل الدفع الإلكتروني، حيث وضع عقوبات لمجموعة من الأفعال تبدأ من الوصول دون وجه حق إلى أرقام أو بيانات بطاقات البنوك والخدمات وأدوات الدفع الإلكترونية.
وتتصاعد المسؤولية بحسب الهدف والنتيجة؛ فإذا كان الوصول إلى البيانات يستهدف استخدامها للحصول على أموال الغير أو الخدمات التي تتيحها، تكون العقوبة أشد، وتتصاعد أكثر إذا نجح الجاني بالفعل في الاستيلاء على الأموال أو الخدمات لنفسه أو لغيره.
وتأتي هذه الأحكام في ظل التحول المتزايد نحو المعاملات الإلكترونية، وما صاحبه من ظهور أنماط جديدة من الاحتيال تستهدف بيانات البطاقات والحسابات وأدوات الدفع.
حماية المواقع والأنظمة المعلوماتية
ويمتد نطاق التجريم إلى الاعتداء على سلامة البيانات والمعلومات والنظم المعلوماتية، والاعتداء على البريد الإلكتروني والمواقع والحسابات الخاصة، وكذلك الاعتداء على تصميم موقع أو سلامة شبكة معلوماتية.
كما تناول القانون الأفعال المتعلقة بالأنظمة المعلوماتية الخاصة بالدولة، إلى جانب حيازة أو إحراز أو جلب أو بيع أو إتاحة أو صنع أو إنتاج أو استيراد أو تصدير أو تداول أجهزة أو أدوات أو برامج أو أكواد مرور أو شفرات أو رموز دون تصريح من الجهة المختصة، متى ثبت أن الهدف منها استخدامها في ارتكاب أو تسهيل ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في القانون.
الإبلاغ قد يخفف العقوبة في حالات محددة
وتضمن القانون كذلك أحكامًا تتعلق بالإعفاء من العقوبة أو تخفيفها في حالات معينة، بما يشجع على التعاون مع السلطات المختصة في كشف الجرائم الإلكترونية وضبط مرتكبيها.
وتشير هذه الأحكام إلى إمكانية الإعفاء في الحالات التي يبادر فيها أحد الجناة أو الشركاء بإبلاغ السلطات المختصة بما يعلمه عن الجريمة قبل البدء في تنفيذها وقبل اكتشافها، كما أجاز القانون للمحكمة في حالات أخرى الإعفاء من العقوبة أو تخفيفها إذا تم الإبلاغ بعد اكتشاف الجريمة وقبل التصرف في التحقيق، متى أدى ذلك إلى مساعدة السلطات في ضبط باقي مرتكبي الجريمة أو الأموال محلها أو كشف الحقيقة أو ضبط جريمة أخرى مماثلة.
القانون يواكب تطور الجريمة الإلكترونية
وفي النهاية، تعكس منظومة العقوبات الواردة في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات اتساع نطاق الحماية القانونية لتشمل مختلف مكونات الحياة الرقمية، بداية من الحساب الشخصي والبريد الإلكتروني، مرورًا بالبيانات والمواقع، وصولًا إلى الأنظمة المعلوماتية ووسائل الدفع الإلكتروني.
وتبرز أهمية هذه الأحكام في ظل التحول الرقمي المتسارع، حيث لم تعد الهوية الرقمية مجرد وسيلة للتواصل، وإنما أصبحت مرتبطة بالعمل والمعاملات المالية والخدمات الحكومية والعلاقات الاجتماعية. ولذلك فإن اصطناع حساب أو موقع أو بريد إلكتروني ونسبته إلى شخص آخر، أو الدخول إلى حساب دون تصريح، أو استخدام البيانات الشخصية بصورة غير مشروعة، قد يترتب عليه مسؤولية قانونية تختلف بحسب طبيعة الفعل ونتائجه.
ويظل تحديد الجريمة والعقوبة المنطبقة على كل واقعة أمرًا مرتبطًا بظروفها والأدلة والتحقيقات وما تقرره الجهات القضائية المختصة، بينما يمثل القانون رقم 175 لسنة 2018 الإطار التشريعي الأساسي لمكافحة عدد واسع من جرائم تقنية المعلومات في مصر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

