رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

 

ترك لنا الشاعر محمد بن سالم بن عدود، وزير الثقافة السابق فى موريتانيا، وأحد المفكرين العقلاء شعر بليغ يُفكك أزمة المجتمعات العربية الآنية فى تفاعلها مع الدين، إذ قال: (شكى دين الهدى مما دهاه/ بأيدى جامدينا وملحدينا/ شبابٌ يحسبون الدين جهلا/ وشيبٌ يحسبون الجهل دينا).

وهذان البيتان لو طبقناهما على كل مجتمع عربى، خاصة مصر، لوجدنا الدين أسير بين طرفى نقيض. الأول مَن ينظرون إليه كدرب قديم مقفر ومُجدب ومُستبعد تماماً، والثانى مَن يقدمون أنفسهم متحدثين باسم الدين، ويحملون قدراً هائلاً من الإدعاء والاصطناع والغيرة الزائفة عليه. وهؤلاء تحديدا أخطر على الدين من خصومه، لأنهم يُنفرون الناس من الدين، ويشعرونهم بأنه ليس سوى قيود ونواهى وسياط وتهديد ووعيد وعذاب أليم.

ولا شك أن السنوات الأخيرة فى بلادنا شهدت نمواً مُطرداً لظاهرة التدين الاصطناعى التى تعنى بالشكل والمظهر الخارجى دون التفات للمضمون. من هُنا ترى كثير من المتشدقين بنصرة الإسلام يعادون العالم كله، ولا ينشرون سوى الكراهية.

يستخدم أهل التدين الاصطناعى مصطلحات سلفية لا علاقة لها بالواقع، ويبثون أفكار وفتاوى فقهاء رحلوا من عشرات القرون ليُعاد توظيفها آنياً باعتبارها الدين.

ينتقد هؤلاء، الناس جميعاً فى ملابسهم وتحركاتهم وكلامهم واهتماماتهم. يقتحمون حيواتهم فيُحرمون أعياد الميلاد، والمناسبات غير الدينية، والعبارات الشعبية العفوية، يزدرون الفن، يرفضون الابداع، ينبذون العلوم الحديثة والمدنية، ويبثون الكراهية ضد كل آخر ويسمونها بغضاً فى الله.

ينصب أهل التدين الاصطناعى أنفسهم كقضاة يوم الحساب ليحددوا مصائر الراحلين والأحياء بمَن فيهم المسلمون، ويجيبون عن السؤال الإلهى إن كان فلان شقياً أم سعيداً. بل تصل بهم الحال إلى التناظر بشأن علماء وفقهاء رحلوا مُنذ ألف عام أو أكثر ليتسائلوا إن كانوا فى الجنة أو النار. ولعل البعض شاهد مؤخرا حلقة المباهلة المبثوثة على الفضاء الإلكترونى بين ثلاثة علماء متسلفنين، وآخر مثلهم، دعوا فيها على أنفسهم وأهليهم بالهلاك لأنهم اختلفوا فيما بينهم بشأن السيوطى، والغزالى، وأبوحنيفة!

ومَن يطالع مباحثهم ويتابع دروسهم يندهش من قضاء الوقت الطويل فى الاهتمام بقضايا لا علاقة لها بمنافع الناس أو مشكلاتهم الحياتية من عينة: حكم كتابة «ص» بدلاً من صلى الله عليه وسلم، شبهة أن أبى بكر ليس ثانى اثنين فى الغار، هل الله تعالى يتحرك.

واللافت للنظر أن هؤلاء يصرون على التكنى والتلقب بمسميات نرجسية عجيبة، فهذا أسد السنة، وذاك الصارم المسلول، وذاك قاهر الملحدين والمبتدعين، وخلفهم يسير كثير من الطيبين، طائعين مُغيبين ومُسيرين، فيزداد تخلفنا تخلفاً، ثُم نندهش عندما نجد أنفسنا فى أذيال الأمم.

يقول المفكر الفرنسى الراحل روجيه جارودى «أحمد الله أننى عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين» لأنه أدرك أن البشر فيهم طالحون وصالحون، وأن كثيرين ممن يتحدثون عن الإسلام بغضب وحمية وتعصب يمثلون معاول هدم، ومنصات تنفير، وإقصاء.

لقد صار التدين الاصطناعى سمة العصر، ما يستلزم تنبهاً وعناية من ولاة الأمر، صناع القرار، ومؤسسات الدولة.

ورحم الله صاحب العقل النابه الشيخ محمد عبده الذى قال وهو على فراش الموت: «ولكنه دينٌ أردت صلاحه/ أحاذر أن تقضى عليه العمائمُ»

والله أعلم.

مصطفى عبيد

[email protected]