«عروس النيل».. قصة وفاء النيل وعلاقته بفيضان النهر
وفاء النيل.. كشف الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، تفاصيل تاريخية حول وفاء النيل، موضحًا أن المصريين اعتادوا قديمًا تخصيص يوم للاحتفال بوفاء النهر عند فيضانه، في مناسبة ارتبطت بمعاني شكر النعمة والحفاظ على مياه النيل، كما تطرق إلى حقيقة ما يُعرف بـ«خرافة عروس النيل».
الاحتفال بوفاء النيل في مصر
وأوضح الدكتور علي جمعة أن المصريين استمروا في ترصد موعد فيضان النيل وتخصيص يوم للاحتفال به، واشتهر ذلك اليوم باسم «وفاء النيل».
وأشار إلى أن الاحتفال كان يبدأ في يوم 26 بؤونة من الشهور القبطية، وهو الوقت الذي اعتاد فيه النيل أن يفيض من جانبيه، وتستمر الزيادة في منسوب المياه لمدة 48 يومًا، ليكون الاحتفال في يوم 14 مسرى، الذي يوافق عادة يوم 20 أو 21 أغسطس، بحسب اختلاف السنوات الكبيسة والبسيطة.
كيف كان يتم قياس زيادة مياه النيل؟
وأضاف علي جمعة أن المجلس الشرعي الإداري كان ينعقد في ذلك اليوم لرصد زيادة مياه النيل، فإذا وصل المقياس إلى 16 ذراعًا فأكثر وجبت الضرائب على المزارعين، بينما إذا كانت الزيادة أقل من 16 ذراعًا عُفي المزارعون من الضرائب.
وكان أهل العلم يتولون الحكم بين الحاكم والمحكومين في هذا الشأن، واستمر هذا التقليد في مصر، حيث كان رئيس المحكمة الشرعية العليا يتولى حضور المجلس، إلى أن أُلغيت المحاكم الشرعية ابتداءً من أول يناير عام 1956، وانتقلت هذه المهمة إلى مفتي الديار المصرية.
مفتي الديار المصرية ومجلس وفاء النيل
وأوضح مفتي الجمهورية السابق أن مفتي الديار المصرية ظل يحضر هذا المجلس بمقر محافظة القاهرة حتى عام 1972، حيث أدى بناء السد العالي إلى تغير نظام فيضان النيل، فلم يعد النهر يفيض بالطريقة التي كان عليها من قبل.
وبتغير نظام الفيضان، توقف الاحتفال التقليدي الذي كان يحمل العديد من المعاني المهمة، وفي مقدمتها التذكير بضرورة احترام النيل، وشكر الله على نعمة المياه، والعمل على طهارته والحفاظ عليه، والاستفادة الرشيدة منه وعدم الإسراف في مائه.
كما شملت هذه المعاني ضرورة عدم التعدي على جمال النهر، وإزالة كل ما يضر به من نباتات وجزر، إلى جانب التذكير بوحدة دول حوض النيل، من منابع النهر وحتى مصبه.
حقيقة عروس النيل
وتطرق علي جمعة إلى ما يُتداول حول إلقاء عروس في النيل باعتبارها إحدى طقوس الاحتفال بوفاء النيل، مؤكدًا أن هذه الرواية لا تستند إلى حقيقة أو واقع ثابت.
وأوضح أن خرافة إلقاء عروس في النيل جاءت عن طريق المؤرخ ابن عبد الحكم في القرن الثالث الهجري، بعدما سمع بعض الإشاعات وقام بتسجيلها دون أن يكون لها سند من الحقيقة أو الواقع.
وثيقة تاريخية عن وفاء النيل عام 1958
وأشار الدكتور علي جمعة إلى وجود حجة للمجلس الشرعي الذي انعقد عام 1958، ووقع عليها فضيلة الشيخ حسن مأمون، مفتي الديار المصرية آنذاك.
وجاء في مطلع الوثيقة:
«انعقد المجلس الشرعي في تمام الساعة السابعة من مساء يوم الأربعاء الخامس من شهر صفر سنة 1378 هجرية، الموافق 20 من شهر أغسطس سنة 1958 ميلادية، والرابع عشر من شهر مسرى سنة 1674 قبطية، بسراي محافظة القاهرة بميدان الجمهورية، برئاسة السيد اللواء/ عبد العزيز صفوت، محافظ القاهرة، نائبًا عن السيد الرئيس جمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية العربية المتحدة، وبحضور حكمدار القاهرة، وسكرتير عام المحافظة، ووكلاء الحكمدارية، وكبار الضباط والعلماء ورجال الصحافة والإذاعة والتجار والأعيان».
رسالة عمرو بن العاص عن مصر ونيلها
واختتم الدكتور علي جمعة حديثه بالتذكير بالوصف المنسوب إلى سيدنا عمرو بن العاص في خطابه إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، عندما وصف له طبيعة مصر ونيلها، قائلًا:
«اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر تربة غبراء، وشجرة خضراء، طولها شهر وعرضها عشر، يكتنفها جبل أغبر ورمل أعفر، يخط وسطها نهر مبارك الغدوات، ميمون الروحات، محمود الذهاب والإياب، يجري بالزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر، له أوان، تعظم أمواجه فتفيض على الجانبين».
وتحمل هذه الكلمات دلالة على المكانة التي احتلها نهر النيل في وجدان المصريين عبر التاريخ، وما ارتبط به من حياة وزراعة واستقرار، فضلًا عن أهمية الحفاظ على المياه وتعريف الأجيال الجديدة بقيمة النهر وما يمثله لمصر ودول حوض النيل.
وأكد علي جمعة أن العديد من المعاني الجليلة المرتبطة بهذه المناسبة كادت أن تُنسى، وهو ما يجعل الحاجة قائمة إلى إعادتها ونشر ثقافتها بين الأبناء والأجيال الجديدة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

