لفت نظر
قبل إطلاق الأحكام على الدكتور عبدالرحمن السيد «عبدول» كما يسمى فى الولايات المتحدة الامريكية ربما يكون من الأفضل النظر إلى الظاهرة من أكثر من زاوية؛ فالرجل أصبح خلال الأيام الأخيرة أحد أكثر الأسماء المصرية الأصل تداولا فى السياسة الأمريكية، بعد صدامه العلنى مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ونائبه جى دى فانس، وما تبع ذلك من سجال إعلامى وسياسى واسع.
ينتمى عبدالرحمن السيد إلى أسرة مصرية هاجرت إلى الولايات المتحدة، وبرز كطبيب وسياسى ديمقراطى ذى توجهات يسارية تقدمية، ارتبط اسمه بالدفاع عن الرعاية الصحية الشاملة والعدالة الاجتماعية وحقوق الأقليات، وهو ما وضعه فى صلب التيار التقدمى داخل الحزب الديمقراطى.
لكن انتقاله إلى واجهة المنافسة السياسية الأمريكية وضعه أيضا فى مواجهة مباشرة مع ترامب والجمهوريين، خاصة بعد تصريحاته الحادة ضد نائب الرئيس جى دى فانس، والتى أثارت موجة انتقادات واسعة من المحافظين، قبل أن يستغلها ترامب لتصويره باعتباره رمزا لليسار الأمريكى الذى يسعى الجمهوريون إلى هزيمته.
المفارقة أن الجدل الأكبر لم يكن فى أمريكا فقط، بل امتد إلى مصر، حيث انقسمت الآراء:
فريق رأى فيه نموذجا ناجحا لمصرى استطاع الوصول إلى قلب السياسة الأمريكية، بغض النظر عن توجهاته الفكرية.
وفريق رفض تصريحاته التى تناولت مصر وسياساتها، معتبرا أنها تعكس رؤية بعيدة عن الواقع المصرى.
وفريق ثالث ذهب إلى اتهامه بالانتماء أو التعاطف مع جماعة الإخوان المسلمين، رغم أن مسيرته السياسية وأفكاره المعلنة تصنفه ضمن اليسار التقدمى الأمريكى، وليس التيار الإسلامى.
من الناحية الفكرية، يصعب الجمع بين اليسار التقدمى الأمريكى والإسلام السياسى فى قالب واحد. فعبدالرحمن السيد يقدم نفسه باعتباره ديمقراطيا تقدميا، يدافع عن قضايا العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية والرعاية الصحية، وهى أجندة تختلف فى كثير من جوانبها عن أدبيات جماعة الإخوان المسلمين.
لكن فى المقابل، فإن مواقفه المنتقدة لبعض السياسات المصرية، ودفاعه عن بعض القضايا المرتبطة بالشرق الأوسط، دفعت خصومه إلى ربطه بالإخوان، وهى اتهامات تتكرر كثيرًا فى السجال السياسى دون أن يقدم أصحابها أدلة حاسمة تثبت انتماء تنظيميا للجماعة.
تكشف حالة عبدالرحمن السيد عن معضلة تواجه الكثيرين من أبناء الجاليات العربية فى الغرب؛ فهم ينظر إليهم فى أوطانهم الأصلية باعتبارهم ممثلين لها، بينما يرون أنفسهم سياسيين أمريكيين يخاطبون الناخب الأمريكى أولا. لذلك فإن مواقفهم تقاس وفق حسابات السياسة الأمريكية، لا وفق المزاج السياسى فى بلدانهم الأصلية.
عبدالرحمن السيد ليس مجرد سياسى أمريكى من أصول مصرية، بل أصبح عنوانا لمعركة أوسع بين اليمين المحافظ واليسار التقدمى فى الولايات المتحدة، وفى الوقت نفسه نموذجا لكيفية انتقال الاستقطاب السياسى الأمريكى إلى الساحة المصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعى.
أما الحكم عليه، فينبغى أن يستند إلى مواقفه المعلنة وبرنامجه السياسى، لا إلى الاتهامات المتبادلة أو الانطباعات المسبقة. فالنقد السياسى مشروع، لكن التوصيفات مثل «الإخوانى» أو «اليسارى» تحتاج إلى أدلة وسياق، لا إلى مجرد الاختلاف فى الرأى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
