لفت نظر
لا تسقط الأوطان فى يوم واحد... بل تسقط عندما تفقد قدرتها على التمييز بين الدولة والجماعة، وبين الوطن والمشروع، وبين الشرعية التى يصنعها الشعب، والسلطة التى تحتكرها التنظيمات.
ولذلك، السؤال الحقيقى ليس: ماذا حققت ثورة 30 يونيو؟ بل: ماذا كان سيبقى من مصر لو لم تقع هذه الثورة؟
كانت مصر فى عام 2013 تسير فوق حافة هاوية. دولة تتآكل من الداخل، واقتصاد يختنق، وشارع يغلى، ومؤسسات تواجه اختباراً غير مسبوق، بينما كان تنظيم سياسى يتصرف باعتباره مالكاً للدولة لا مجرد حاكم لها.
كانت الأزمة أعمق من خلاف سياسى، وأخطر من منافسة انتخابية. كانت معركة على هوية مصر نفسها. هل تبقى دولة وطنية صنعتها حضارة عمرها آلاف السنين، أم تتحول إلى ساحة لمشروع أيديولوجى لا يعترف إلا بولاء الجماعة؟
لو تأخر المصريون... لتغير وجه الدولة.
ولو صمت الشعب... لتكلمت الفوضى.
ولو ترددت مؤسسات الدولة... لدفع الجميع ثمن التردد.
هذه ليست مبالغة. إنها قاعدة يعرفها التاريخ؛ فالدول التى تسمح بانقسام مؤسساتها، أو باحتكار السلطة، تدخل نفقاً قد يمتد عقوداً، وتصبح إعادة بنائها أكثر صعوبة من إسقاطها.
فى الثلاثين من يونيو خرج ملايين المصريين، حاملين رسالة واحدة: إن الوطن أكبر من أى جماعة، وإن الدولة ليست غنيمة انتخابية، وإن الشرعية لا تعيش منفصلة عن الإرادة الشعبية. وعندما تدخلت القوات المسلحة استجابة لهذا الحراك الشعبى، لم تكن مصر تغير رئيساً فحسب، بل تغير مصيراً.
ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة لم تكن سهلة. ودفعت الدولة والمواطن ثمناً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً، لكن المقارنة العادلة ليست بين واقع يطمح إلى الأفضل، وسيناريو مثالى متخيل، بل بين دولة واجهت أزماتها وسعت إلى إعادة بناء مؤسساتها، وبين احتمال استمرار مسار كان كثيرون يرونه يقود إلى مزيد من الاستقطاب وعدم الاستقرار.
ولو نظرنا اليوم إلى خريطة مصر الجديدة؛ من شبكة الطرق العملاقة، والمدن الذكية، وتطوير الموانئ، وتحديث الجيش، ومشروعات الطاقة، واستعادة الدور الإقليمى، سندرك أن كل ذلك كان يحتاج أولاً إلى دولة مستقرة تمتلك قرارها. فلا تنمية بلا دولة، ولا استثمار بلا أمن، ولا مستقبل لوطن يفقد تماسكه.
إن ثورة 30 يونيو لم تكن ثورة لإسقاط جماعة فقط، بل ثورة لإنقاذ فكرة الدولة المصرية ذاتها. فالأوطان لا تقاس بعدد الحكومات التى تعاقبت عليها، وإنما بقدرتها على البقاء عندما تعصف بها العواصف.
ولهذا، سيبقى الثلاثون من يونيو يوماً فارقاً فى التاريخ المصرى الحديث. يوم خرج فيه الشعب ليقول إن مصر ليست فرعاً لتنظيم، ولا ساحة لتجربة سياسية، بل وطن أقدم من الجميع، وأكبر من الجميع، وأبقى من الجميع.
فالدرس الذى تركته 30 يونيو ليس أن الثورات تغير الحكام، بل إن الشعوب، عندما تشعر بأن دولتها مهددة، تستطيع أن تعيد كتابة التاريخ بيدها، وأن تنقذ وطناً قبل أن يتحول إلى حكاية تروى عن وطن كان.. حفظ الله مصر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض