رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

«لفت نظر»

المشهد الذى صنعته الجماهير المصرية بمطار العلمين، لم يكن مجرد احتفال بعودة بعثة رياضية، ولم يكن تعويضا عن الخروج من كأس العالم، بل كان إعلانا واضحا عن تحول عميق فى ثقافة الكرة المصرية. لأول مرة منذ عقود، لم يصبح معيار الحكم هو الفوز أو الخسارة، وإنما قيمة الأداء، وحجم الإنجاز، وشرف المنافسة.

فالمنتخب المصرى لم يعد من المونديال حاملاً الكأس، لكنه عاد حاملا احترام العالم. خرج من البطولة بعد مواجهة بطولية أمام بطل العالم، لكنه غادر الملعب مرفوع الرأس، وأثبت أن الكرة المصرية قادرة على منافسة كبار اللعبة، لا الاكتفاء بالمشاركة أو التمثيل المشرف كما كنا فى كل مشاركات كأس العالم السابقة.

الآلاف الذين احتشدوا فى مطار العلمين لم يذهبوا لاستقبال فريق مهزوم، وإنما لاستقبال جيل أعاد للمصريين شعورا افتقدوه طويلا، وهو أن منتخبهم يستطيع أن يقاتل حتى الدقيقة الأخيرة، وأن يكون طرفا فى المباريات الكبرى، لا مجرد ضيف عليها.

إن الرسالة الأهم فى هذا الاستقبال أن الجماهير المصرية أصبحت أكثر نضجا 

فقد أدركت أن بناء المنتخبات لا يقوم على مباراة واحدة، وأن الإنجازات الكبرى تبدأ بخطوات صغيرة، وأن الوصول إلى دور الـ16 لأول مرة فى تاريخ كأس العالم ليس نهاية الحلم، بل بدايته.

كما حمل المشهد رسالة إلى اللاعبين أنفسهم. فالجماهير التى صفقت لهم بعد الخروج، لن تقبل منهم مستقبلا إلا الاستمرار فى هذا المستوى. لقد منحتهم الثقة، لكنها فى الوقت نفسه رفعت سقف التوقعات، وجعلت الحفاظ على هذا الإنجاز مسؤولية وطنية ورياضية.

أما الدولة، فقد قدمت نموذجا مختلفا فى التعامل مع الرياضة، حين تحول استقبال المنتخب إلى احتفاء رسمى وشعبى يعكس تقدير الجهد، وليس فقط تقديس النتيجة. وهذه الثقافة هى التى تصنع الأمم الرياضية، لأن اللاعب الذى يشعر بأن وطنه يقدره على العطاء، سيقاتل من أجل رفع رايته فى كل بطولة.

لقد كان مطار العلمين، فى تلك الساعات، أكثر من مجرد مطار. كان منصة لإعلان ميلاد مرحلة جديدة فى علاقة المصريين بمنتخبهم الوطنى. مرحلة عنوانها أن الانتصار الحقيقى ليس دائمًا فى رفع الكؤوس، وإنما فى استعادة الثقة، وصناعة الأمل، وإثبات أن مصر قادرة على الوقوف بين كبار العالم.

ولعل المعنى الأعمق لهذا المشهد أن الأمم الكبيرة لا تحتفل فقط بمن يحقق البطولات، بل تحتفى أيضا بمن يعيد إليها الإيمان بقدرتها على صناعة المستقبل. ومنتخب مصر، رغم الخروج، نجح فى أن يجعل ملايين المصريين يشعرون بالفخر، وهو انتصار معنوى قد يكون أكثر قيمة من كثير من البطولات.

إن التاريخ سيتذكر نتيجة المباراة أمام الأرجنتين، لكنه سيتذكر أيضا أن شعبا كاملا خرج ليستقبل أبناءه بعد الهزيمة، لأنهم انتصروا فى معركة الكرامة الرياضية، وكتبوا فصلا جديدا فى تاريخ الكرة المصرية، عنوانه: يمكن أن تخسر مباراة وتخرج فائزا أيضا.. وربما بمكاسب أكبر من مجرد مباراة تسيدتها ولم يحالفك الحظ فى انهائها لصالحك.

 

[email protected]