رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

كيف حولت جماعات الضغط اليهودي رؤساء أمريكا إلى "عجينة" في يد إسرائيل؟

ضغط اللوبي الصهويني
ضغط اللوبي الصهويني على رؤساء أمريكا عبر عقود

في عام 1948، ومع احتدام الحرب في فلسطين، وجد هاري ترومان نفسه محاصرًا، من جهة، كان هناك جماعات الضغط الصهيونية ومستشارو الرئيس السياسيون المحليون، الذين حثوه على دعم إقامة دولة يهودية في أكبر مساحة ممكنة من فلسطين. 

ومن جهة أخرى، كان كبار مسؤولي السياسة الخارجية والأمن القومي، وعلى رأسهم وزير الخارجية جورج مارشال، وكانت توصيتهم بالإجماع منع إقامة دولة يهودية، لاعتقادهم بأن ذلك سيؤدي إلى اندلاع حرب في الشرق الأوسط ويهدد مستقبل العلاقات الأمريكية مع العالم العربي والإسلامي.

ترومان يختار الاعتراف بإسرائيل رغم تحذيرات مستشاريه

وكشفت الجارديان في تقريرها الصادر اليوم أن ترومان كان يدرك المخاطر التي حذر منها جورج مارشال وغيره من كبار المسؤولين، لكنه كان يدرك كذلك حجم الضغوط السياسية التي تحيط به، خصوصًا في عام انتخابي حساس.

ترومان ومارشال
ترومان ومارشال

وشهد البيت الأبيض في مايو 1948 اجتماعًا حاسمًا، حذر خلاله مارشال من أن الاعتراف بإسرائيل سيكون قرارًا سياسيًا مدفوعًا بالحسابات الانتخابية، وليس قرارًا يستند إلى تقدير للمصلحة الأمريكية. ومع ذلك، لم تمر سوى أيام حتى اتخذ ترومان قرار الاعتراف بإسرائيل.

وكشفت الجارديان من خلال هذه الواقعة المبكرة أن المعضلة التي واجهها ترومان لم تكن استثنائية، بل أصبحت نموذجًا تكرر لاحقًا مع رؤساء أمريكيين آخرين، إذ اصطدمت تقديرات مؤسسات الأمن والسياسة الخارجية في أحيان كثيرة بالقوة المتنامية لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

جماعات الضغط تحوّل الدعم السياسي إلى قوة منظمة

تابعت الصحيفة البريطانية في تقريرها كيف تطورت هذه الجماعات خلال العقود التالية، وانتقلت من التأثير السياسي المحدود إلى بناء شبكة واسعة من المنظمات والناشطين والمانحين والمؤسسات القادرة على مكافأة السياسيين الذين يتبنون سياسات مؤيدة لإسرائيل، وممارسة ضغوط قوية على من يخرجون عن هذا المسار.

 

استندت هذه القوة، في جانب مهم منها، إلى حقيقة أن معظم الناخبين الأمريكيين لم يكونوا يتابعون تفاصيل الصراع العربي الإسرائيلي بصورة مستمرة، وهو ما أتاح لجماعات الضغط تركيز مواردها على السياسيين وصناع القرار، واستخدام الانتخابات والتمويل والنفوذ السياسي أدوات للتأثير في اتجاهات السياسة الخارجية.

فورد يتراجع عن مواجهة إسرائيل

استعرضت الصحيفة تجربة الرئيس جيرالد فورد، الذي حاول في منتصف السبعينيات إعادة تقييم السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد إخفاقات متكررة في التوصل إلى تسوية شاملة.

الرئيس جيرالد فورد يتحدث مع وزير الخارجية هنري كيسنجر، في فلاديفوستوك، الاتحاد السوفيتي، في 23 نوفمبر 1974.<br> 
الرئيس جيرالد فورد يتحدث مع وزير الخارجية هنري كيسنجر، في فلاديفوستوك، الاتحاد السوفيتي، في 23 نوفمبر 1974.
 

وأظهرت توصيات مجموعة من كبار المسؤولين السابقين ضرورة ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل من أجل التوصل إلى سلام عربي إسرائيلي، لكن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل تحركت سريعًا لإجهاض هذا المسار، ووصلت الضغوط إلى الكونغرس والبيت الأبيض.

واجه فورد ضغوطًا سياسية هائلة، وفي النهاية تراجع عن المسار الذي كان يريده، واتجه إلى سياسة أكثر تقاربًا مع إسرائيل، وهو ما عزز بصورة أكبر حجم الالتزامات الأمريكية السياسية والعسكرية والاقتصادية تجاهها.

كارتر يتراجع أمام اختبار القضية الفلسطينية

وتتبعت الجارديان النمط نفسه خلال إدارة جيمي كارتر، الذي حاول إدخال القضية الفلسطينية في صميم أي تسوية شاملة للصراع في الشرق الأوسط.

طرح كارتر فكرة إقامة وطن فلسطيني، وبدأ في التعامل مع القضية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في أي اتفاق سلام دائم، لكن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل واجهت هذه الرؤية بحملة سياسية قوية.

<span style=
الرئيس المصري أنور السادات والرئيس الأمريكي جيمي كارتر ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن في الحديقة الشمالية للبيت الأبيض بعد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، في 26 مارس 1979
 

واجه الرئيس تحذيرات من مستشاريه بشأن الكلفة السياسية لموقفه، ثم وجد نفسه أمام ضغوط مباشرة من الجانب الإسرائيلي، وهو ما دفع إدارته في النهاية إلى تقليص حضور القضية الفلسطينية في أجندة المفاوضات.

أوباما يتخلى عن الضغط على الاستيطان

وصلنا بعد ذلك إلى إدارة باراك أوباما، التي دخلت البيت الأبيض وهي تحمل رؤية أكثر وضوحًا بشأن حل الدولتين وضرورة وقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي.

أطلق أوباما في بداية ولايته محاولة جادة لإعادة تحريك عملية السلام، لكنه اصطدم بمقاومة إسرائيلية وبضغوط قوية من جماعات الضغط داخل الولايات المتحدة، اللوبي، ثم بدأ تدريجيًا في التراجع عن استخدام النفوذ الأمريكي للضغط على الحكومة الإسرائيلية.

ونرى في هذه التجربة مثالًا جديدًا على قدرة جماعات الضغط على تغيير حسابات الرئيس، خصوصًا عندما تتداخل السياسة الخارجية مع المخاوف الانتخابية والحسابات الحزبية.

بايدن في مواجهة اختبار غزة

ومع فترة تولي جو بايدن الرئاسة، التي واجهت الاختبار الأكبر بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

لاحظ الخبراء أن بايدن تمسك منذ البداية بعلاقة وثيقة مع إسرائيل، ورفض استخدام النفوذ الأمريكي بالقدر الذي كان يمكن أن يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى تغيير مسارها العسكري، رغم التحذيرات المتزايدة من حجم الخسائر بين المدنيين.

وتجاهلت الإدارة في مراحل عديدة نصائح من داخل مؤسساتها بشأن ضرورة ممارسة ضغط أكبر، بينما واصلت تقديم الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، وهو ما كشف مجددًا عن عمق تأثير الحسابات السياسية الداخلية في صياغة الموقف الأمريكي.

الرأي العام الأمريكي يغيّر قواعد اللعبة

شهدنا في السنوات الأخيرة تحولًا مهمًا داخل المجتمع الأمريكي، إذ لم يعد الدعم غير المشروط لإسرائيل يحظى بالإجماع السابق نفسه، وبدأت قطاعات متزايدة من الناخبين، خصوصًا الشباب، تنظر بصورة أكثر انتقادًا إلى السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية ولبنان.

وأظهر هذا التحول أن قدرة جماعات الضغط على التأثير في السياسة الأمريكية ليست مطلقة، وأن تغير الرأي العام يمكن أن يفرض قيودًا جديدة على السياسيين الذين اعتادوا التعامل مع الدعم لإسرائيل باعتباره خيارًا انتخابيًا آمنًا.

ترامب أمام لحظة اختبار حاسمة

نرى أن الرئيس دونالد ترامب يواجه الآن الاختبار ذاته الذي واجهه أسلافه، لكن في ظروف مختلفة، فالحرب في الشرق الأوسط أصبحت أكثر تكلفة سياسيًا، والرأي العام الأمريكي أصبح أكثر انقسامًا بشأن العلاقة مع إسرائيل، بينما لا تزال جماعات الضغط المؤيدة لها تمتلك موارد سياسية هائلة.

ونعتقد أن ترامب يمتلك فرصة لكسر النمط الذي بدأ منذ عهد ترومان، إذا قرر أن يجعل المصالح الأمريكية أساسًا لقرارات السياسة الخارجية، بدلًا من السماح للضغوط السياسية الداخلية أو المطالب الإسرائيلية بتحديد حدود القرار الأمريكي.

استقلال القرار الأمريكي يظل القضية الأساسية

وذكرت الصحيفة: “نحن لا ننكر حق الأمريكيين المؤيدين لإسرائيل في تنظيم أنفسهم والتأثير في النقاش العام، كما لا نعتبر جماعات الضغط ظاهرة استثنائية في النظام السياسي الأمريكي، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح جماعة مرتبطة بمصالح دولة أجنبية قادرة على فرض حدود غير معلنة على الخيارات المتاحة أمام الرئيس والكونجرس.”

وأضافت الصحيفة ، نقلاً عن خبراء الشأن الأمريكي، قولهم: “نرى أن حماية الديمقراطية الأمريكية تتطلب السماح لجميع المصالح بالتنافس بحرية، دون تخويف السياسيين أو إسكات النقاش عبر اتهامات جاهزة، كما تتطلب إخضاع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط للنقاش والمساءلة مثل أي سياسة خارجية أخرى.”

وفي النهاية، يتوقع ألا تتمكن الولايات المتحدة من صياغة سياسة شرق أوسطية مستقلة وفعالة ما لم تستعد قدرتها على اتخاذ القرارات وفقًا لمصالحها الوطنية، وأن الرئيس ترامب يمتلك فرصة تاريخية لإنهاء تقليد استمر منذ ترومان، يقوم على أن معارضة إسرائيل أو جماعات الضغط المؤيدة لها تحمل كلفة سياسية أكبر من تجاهل تقديرات المصلحة الأمريكية نفسها.