كانت القرية المصرية يوما مصنعا للكفاح ، ومدرسة للصبر ، وحاضنة للأحلام الكبيرة.. كان الأب يبيع قطعة من أرضه أو رأس ماشية ليُعلم ابنه ، وكانت الأم تتحمل شظف العيش حتى ترى ابنها طبيبا أو مهندسا أو ضابطا أو معلما يرفع اسم أسرته وقريته.. ولم يكن الطريق سهلا ، بل كان محفوفا بالفقر والحرمان ، لكن الإيمان بأن التعليم هو طريق النجاة كان أقوى من كل العقبات..اليوم تبدلت الصورة بصورة تدعو إلى القلق.. لم يعد الحلم عند بعض الأسر هو الحصول على شهادة تعليمية ، بل أصبح السفر إلى أوروبا بأى وسيلة هو الهدف الأول ، حتى لو كان الثمن أن يترك طفل في العاشرة أو الخامسة عشرة من عمره مقاعد الدراسة ويغامر بمستقبله فى بيئة لا يملك فيها النضج الكافى لحماية نفسه أو بناء شخصيته..وفى المقابل ظهرت ظاهرة أخرى لا تقل خطورة ، وهي انتشار وسائل الغش الإلكترونية داخل الامتحانات فى القرى ، حتى أصبحت بعض الأسر ترى أن شراء سماعة غش أوفر من الإنفاق على الدروس أو متابعة الأبناء دراسيا .. وتحول النجاح عند البعض من ثمرة اجتهاد إلى نتيجة يمكن شراؤها بسماعة ، وكأن المجتمع يزرع بيديه بذور انهيار منظومة الكفاءة..والسؤال الذي يجب أن يؤرق الجميع : إلى أين نحن ذاهبون ؟ . وكيف سنشعر بالأمان إذا وقف أمامنا بعد سنوات طبيب نجح بالغش ؟ أو مهندس حصل على شهادته دون علم حقيقي ؟ أو معلم فاشل لم يعرف قيمة الاجتهاد ؟ .. انهيار قيمة التعليم لا يهدد الطالب وحده ، بل يهدد المجتمع بأكمله ، لأن المهن التي تقوم عليها حياة الناس لا تحتمل المجاملة ولا الغش..
أما الأطفال الذين يتركون بلادهم فى أعمار صغيرة للسفر الى أوربا ، فهم يواجهون تحديات نفسية واجتماعية وثقافية كبيرة.. فالغربة المبكرة قد تحرمهم من استكمال تعليمهم ، أو تجعلهم عرضة للاستغلال ، أو تدفع بعضهم إلى فقدان هويتهم وانتمائهم.. وبالطبع ليست كل تجربة هجرة تنتهى بالفشل ، فهناك من ينجح ويحقق مستقبلا أفضل ، لكن تحويل الهجرة إلى بديل عن التعليم يمثل مخاطرة كبيرة بمستقبل جيل كامل...ومواجهة هذه الظواهر لا تكون بالشعارات ، وإنما بإعادة الثقة في التعليم ، وربطه الحقيقى بسوق العمل ، وتشديد الرقابة على وسائل الغش ، وتطبيق العقوبات بحزم على كل من يسهلها ، مع إطلاق حملات توعية للأسر بأن النجاح الحقيقى لا يتحقق بالغش ، وأن السفر لا يجب أن يكون بديلا عن بناء الإنسان علميا وأخلاقيا..كما أن توفير فرص عمل حقيقية للشباب ، وتحسين جودة التعليم ، وإلقاء الضوء على نماذج ناجحة صنعت مستقبلها بالعلم ، كلها خطوات تعيد الاعتبار لقيمة الاجتهاد ، وتمنح الشباب أملا في أن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل الوطن كما يمكن أن يُبنى خارجه..
أخطر ما يمكن أن تخسره الأمم ليس المال ولا المباني ، وإنما إيمان أبنائها بقيمة العلم والعمل. فإذا أصبح الغش ثقافة ، والهروب هو الحلم ، فإننا لا نخسر جيلا واحدا فقط ، بل نخاطر بمستقبل وطن بأكمله.. ويبقى السؤال الذى يجب أن يجيب عنه الجميع ، دولة وأسرة ومؤسساتٍ تعليمية وإعلاما : هل نريد أن نصنع جيلا يحمل الشهادات فقط ، أم جيلا يمتلك المعرفة والضمير والقدرة على بناء المستقبل ؟ .
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض