لم تكن إقالة كريم خان من منصبه مجرد حدث إداري داخل أروقة المحكمة الجنائية الدولية، بل جاء ليكشف حجم الأزمة التي تضرب المؤسسة التي طالما قدمت نفسها باعتبارها الحارس الأمين للعدالة الدولية. فحين تهتز قيادة المحكمة بهذا الشكل، تتراجع الثقة في قدرتها على أداء رسالتها، وتتعزز الانطباعات بأن العدالة الدولية باتت رهينة الأزمات الداخلية والضغوط السياسية أكثر من ارتباطها بحكم القانون.
حيث صوتت ٨٢ دولة عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية لصالح عزل المدعي العام للمحكمة كريم خان، على خلفية اتهامه بارتكاب "سلوك جنسي غير لائق". إلا أن المراقبين اعتبروا أن القرار جاء نتيجة ضغوط أمريكية وإسرائيلية، بعدما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين بارزين، هما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، للتحقيق بتهم ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.
ويقول أستاذ القانون الدولي والمدعي العام السابق بالمحكمة الجنائية الدولية جيفري نايس "إن القرار سيترك تداعيات سلبية على المحكمة ويقوض دورها في منظومة العدالة الدولية".
وقال نايس "إنه عرف كريم خان على مدى نحو ٢٠ عامًا، وإن الاتهامات الموجهة إليه جاءت مفاجئة بالنسبة له، مؤكدًا أنه لم يلحظ خلال مسيرته المهنية ما كان يشير إلى احتمال ظهور مثل هذه المزاعم".
ويأتي عزله ليؤكد أن الأزمة لم تعد مقتصرة على قرارات أو ملفات بعينها، بل أصبحت أزمة ثقة تمس المؤسسة بأكملها. فالمحكمة التي أُنشئت لتكون رمزًا للحياد والنزاهة تجد نفسها اليوم مطالبة بإثبات قدرتها على إصلاح بيتها الداخلي قبل مطالبة الآخرين بالخضوع لأحكامها. ولا يمكن لأي مؤسسة قضائية أن تحافظ على هيبتها إذا كانت قياداتها محاطة بالجدل أو تواجه اتهامات تؤثر في مصداقيتها.
كما أن هذه التطورات تمنح منتقدي المحكمة مادة إضافية للتشكيك في فعاليتها، خصوصًا أولئك الذين يرون أنها أخفقت في تطبيق معايير موحدة على جميع الأطراف، وأن الاعتبارات السياسية كثيرًا ما ألقت بظلالها على مسار العدالة. وبدلًا من أن تكون المحكمة أداة لتوحيد المجتمع الدولي حول مبادئ القانون، أصبحت في نظر كثيرين ساحة للصراع السياسي وتبادل الاتهامات.
إن إقالة كريم خان لا ينبغي النظر إليها باعتبارها نهاية أزمة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا. فاستعادة ثقة المجتمع الدولي لن تتحقق بمجرد تغيير الأشخاص، وإنما تحتاج إلى مراجعة شاملة لآليات العمل، وتعزيز الشفافية، وضمان استقلال القرار القضائي بعيدًا عن أي ضغوط أو حسابات سياسية.
في الختام، فإذا كانت العدالة الدولية تُخضع مسؤوليها لموازين القوة بدلًا من معايير القانون، فإنها تفقد جزءًا كبيرًا من مصداقيتها. وستظل هذه القضية اختبارًا حقيقيًا لقدرة المحكمة على إثبات أن العدالة لا تُدار وفق اعتبارات سياسية، بل وفق مبادئ النزاهة والمكاشفة وسيادة القانون.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض