رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لماذا تصبح الخبرة البشرية أكثر قيمة كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر تطورًا؟

في كل ثورة صناعية كانت التكنولوجيا تعيد تعريف طبيعة العمل، لكنها لم تكن يومًا بديلًا عن الخبرة البشرية. واليوم، ومع الانتشار غير المسبوق للذكاء الاصطناعي، يبدو أننا نعيش لحظة تاريخية مشابهة، ولكن بوتيرة أسرع وتأثير أعمق.

فخلال سنوات قليلة فقط، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحياة اليومية للمؤسسات والأفراد. فهو يكتب التقارير، ويحلل البيانات، ويقترح الخطط، ويترجم الوثائق، ويجيب عن الأسئلة، بل ويساعد في اتخاذ القرار. وأصبح الوصول إلى المعلومات متاحًا للجميع تقريبًا، بعد أن كان في الماضي يمثل ميزة تنافسية لا يمتلكها إلا عدد محدود من الخبراء.

لكن مع هذا التطور، برز تحدٍ جديد لا يتعلق بالتكنولوجيا نفسها، بل بطريقة استخدامها.

فأخطر ما يمكن أن تواجهه المؤسسات اليوم ليس التأخر في تبني الذكاء الاصطناعي، وإنما الاعتقاد بأن امتلاك هذه الأدوات يعني امتلاك الخبرة.

لقد تغيرت طبيعة الميزة التنافسية. ففي الماضي كانت المؤسسات تتنافس على جمع المعلومات، أما اليوم فأصبحت تتنافس على القدرة على تفسيرها، وتقييمها، وربطها بواقعها، وتحويلها إلى قرارات تحقق نتائج حقيقية.

ومن هنا تظهر ما أسميه “فجوة الخبرة والذكاء الاصطناعي”.

وهي الفجوة بين قدرة المؤسسة على إنتاج المعرفة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وقدرتها على الحكم على جودة تلك المعرفة، وفهم حدودها، وتحويلها إلى قرارات مسؤولة.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينتج تقريرًا خلال دقائق، لكنه لا يعرف أهداف المؤسسة ما لم تُعرَّف له بدقة، ولا يدرك بيئتها القانونية أو التنظيمية أو الثقافية، ولا يستطيع أن يميز بين قرار مناسب في مؤسسة وقرار قد يكون كارثيًا في مؤسسة أخرى.

والأهم من ذلك، أنه لا يتحمل مسؤولية القرار.

المسؤولية ستظل دائمًا مسؤولية الإنسان.

عندما تتحول الأداة إلى مصدر للمخاطر

شهد العالم خلال السنوات الأخيرة أمثلة عديدة تؤكد أن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، وإنما في غياب الخبرة والحوكمة عند استخدامه.

فقد اعتمدت الحكومة البريطانية خلال جائحة كورونا على خوارزمية لتقدير درجات الطلاب بعد إلغاء الامتحانات، إلا أن النتائج أثارت موجة واسعة من الاعتراضات، واضطرت الحكومة إلى التراجع عنها بعد أن تبين أنها أضرت بآلاف الطلاب.

وفي هولندا، أدى الاعتماد على أنظمة تحليل البيانات في تقييم حالات الاحتيال في إعانات رعاية الأطفال إلى اتهام آلاف الأسر بصورة خاطئة، وانتهت الأزمة باستقالة الحكومة.

كما اضطرت شركات عالمية إلى إيقاف بعض أنظمة التوظيف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بعد اكتشاف أنها تعيد إنتاج انحيازات موجودة في البيانات التاريخية، رغم أن الخوارزميات كانت تعمل كما صُممت.

هذه الأمثلة لا تعني أن الذكاء الاصطناعي فشل، وإنما تؤكد أن التقنية لا تستطيع تعويض غياب الخبرة البشرية، أو ضعف الحوكمة، أو غياب آليات المراجعة.

الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يضمن تحقيق القيمة

خلال العامين الماضيين، أنفقت المؤسسات حول العالم مليارات الدولارات على حلول الذكاء الاصطناعي، انطلاقًا من قناعة بأنها ستحدث طفرة في الإنتاجية.

إلا أن الواقع كان أكثر تعقيدًا.

فقد أظهرت دراسات حديثة أن كثيرًا من المديرين التنفيذيين لم يلمسوا بعد أثرًا واضحًا لهذه الاستثمارات على الإنتاجية أو التوظيف داخل مؤسساتهم، رغم التوسع الكبير في استخدام الأدوات الذكية.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي غير فعال، بل يعني أن القيمة لا تتحقق بمجرد شراء التكنولوجيا.

فالعديد من المؤسسات وفرت الأدوات لموظفيها، لكنها لم تُعد تصميم إجراءات العمل، ولم تُدرّب المستخدمين على اختيار حالات الاستخدام المناسبة، ولم تضع مؤشرات واضحة لقياس العائد الحقيقي.

وفي بعض الحالات، أدى الاستخدام غير المنظم إلى زيادة عدد التقارير والاجتماعات والمخرجات، دون تحسن مماثل في جودة القرارات.

فالذكاء الاصطناعي قد يختصر وقت كتابة التقرير، لكنه لا يختصر مسؤولية التفكير فيه.

الحوكمة… الحلقة المفقودة

نجاح الذكاء الاصطناعي داخل أي مؤسسة لا يعتمد على قوة النموذج، بل على جودة البيئة المؤسسية التي يعمل داخلها.

فالبيانات الموثوقة، والقيادة الواعية، وآليات المراجعة، وثقافة التفكير النقدي، والقدرة على مساءلة المخرجات، جميعها عوامل لا تقل أهمية عن التكنولوجيا نفسها.

ولهذا، فإن مشروع الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا تقنيًا فقط، بل هو مشروع تغيير مؤسسي وإداري وثقافي في المقام الأول.

إن المؤسسة التي تمتلك أحدث النماذج، لكنها تفتقر إلى الحوكمة والخبرة، قد تصبح أسرع في إنتاج التقارير، لكنها ليست بالضرورة أفضل في اتخاذ القرارات.

الميزة التنافسية الحقيقية

أعتقد أن السنوات المقبلة لن تشهد منافسة بين المؤسسات التي تمتلك أفضل أدوات الذكاء الاصطناعي، بل بين المؤسسات التي تمتلك أفضل قدرة على توظيف هذه الأدوات ضمن منظومة متكاملة من الخبرة والحوكمة والقيادة.

فالذكاء الاصطناعي سيصبح متاحًا للجميع، كما أصبحت الحواسيب والإنترنت متاحة للجميع من قبل.

أما القدرة على استخدامه بصورة صحيحة، وتحديد حدوده، ومراجعة مخرجاته، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية ومؤسسية، فستظل هي الميزة التنافسية الحقيقية.

لقد خفّض الذكاء الاصطناعي تكلفة إنتاج الإجابات، لكنه رفع بصورة غير مسبوقة قيمة الخبرة اللازمة للحكم عليها.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل رئيس تنفيذي، وكل وزير، وكل مجلس إدارة، لم يعد:

“أي منصة ذكاء اصطناعي ينبغي أن نشتري؟”

بل أصبح:

“هل نمتلك داخل مؤسساتنا الخبرة والحوكمة التي تمكننا من استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة تحقق قيمة حقيقية، وتقلل المخاطر، وتحسن جودة القرار؟”

إن المستقبل لن يكون للأكثر امتلاكًا للتكنولوجيا، بل للأكثر قدرة على فهمها، وتوجيهها، ومساءلتها.

فالذكاء الاصطناعي سيغير طريقة عمل المؤسسات، لكنه لن يلغي الحاجة إلى الخبرة.

بل سيجعلها أكثر قيمة من أي وقت مضى.

استشاري تطوير المؤسسات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول المؤسسي