في زمنٍ سبقت فيه الألقاب الأسماء ، وأحاطت المناصب أصحابها بهالة من الرسميات والفشخرة ، يخرج الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب ، شيخ الأزهر الشريف ، ليقدم لنا درسا عمليا فى التواضع والانسانية ، لا بالمواعظ والخطب ، وإنما بالمواقف..إتصل شيخ الأزهر بإحدى الطالبات ليزف إليها بنفسه خبر تفوقها فى نتيجة الثانوية الأزهرية ، وبينما كانت الطالبة تغمرها الدهشة والفرحة ، لم تكن تعلم من المتحدث.. وقبل أن تنتهي المكالمة سألته بعفوية : "حضرتك مين ؟" فجاء الرد بسيطا ، عظيما فى معناه .. وبكل تواضع قال : "أنا أحمد الطيب." لم يقل الإمام الأكبر ، ولم يقل شيخ الأزهر ، ولم يسبق اسمه بأي لقب ، وكأنه أراد أن يؤكد أن قيمة الإنسان ليست فيما يحمل من ألقاب ، وإنما فيما يتركه من أثر فى قلوب الناس..ذلك هو أحمد الطيب... العالم الذي لم تغيره المناصب ، والصعيدى الأصيل الذى ما زال يحمل قيم الكرم والتواضع والنبل التى تربى عليها.. يدرك أن الدنيا زائلة ، وأن الباقى هو العمل الصالح ، وأن أعظم ما يخلده الإنسان هو حسن الخلق وخدمة الناس..وليس هذا الموقف استثناء فى حياة شيخ الأزهر ، فمن يعرف سيرته يدرك أن مكتبه لم يكن يوما مغلقا فى وجه صاحب حاجة ، ولا فى وجه طالب علم ، ولا أمام من يلتمس العون.. أما ساحته فى قريته القرنة بمحافظة الأقصر ، فهي شاهد حي على هذا النهج ، حيث يرتادها العشرات يوميا ، يجدون فيها الطعام والشراب وكرم الضيافة ، في صورة تجسد أصالة الصعيد وقيم الإسلام السمحة..إن عظمة الرجال لا تقاس بحجم المناصب التى يشغلونها ، بل بقدرتهم على البقاء قريبين من الناس مهما علت مكانتهم.. وهذه هى الرسالة التي يقدمها الإمام الأكبر كل يوم دون ضجيج أو استعراض. في زمن يحتاج فيه المجتمع إلى القدوة ، يظل الدكتور أحمد الطيب واحدا من النماذج التي تؤكد أن التواضع لا ينتقص من الهيبة ، بل يزيدها ، وأن الاحترام الحقيقى لا يُفرض باللقب ، وإنما يُكتسب بالأخلاق.. وما أجمل أن يكون صاحب أكبر مؤسسة دينية سنية في العالم الإسلامى هو أول من يجرد نفسه من الألقاب عندما يتحدث إلى الناس ، لأن الإنسان يبقى إنسانا ، أما المناصب فإلى زوال..
رحم الله من أدرك أن الباقيات الصالحات خير من كل منصب ، وأن الكلمة الطيبة ، والخلق الكريم ، وخدمة الناس ، هى الإرث الحقيقى الذى يبقى بعد أن تنتهى رحلة الدنيا .
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض