رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

في الاقتصادات القويه تُباع الأصول لإعادة توظيف رأس المال في أصول أكثر إنتاجيه وربحيه. أما في الاقتصادات المأزومه، فغالباً ما تتحول الأصول إلى مخزون احتياطي يُستنزف كلما اشتدت الضغوط الماليه وارتفعت فاتورة الديون.
ومن هنا لا يكمن جوهر النقاش الدائر حول بيع أصول الدوله المصريه في سؤال: "كم بلغت قيمة الصفقه؟"، بل في السؤال الأكثر أهميه وخطوره: أين تذهب الحصيله؟ وما الذي سيبقى بعد انتهاء البيع؟
فالأصول التي تُطرح اليوم لم تهبط من السماء، ولم تُبنَ من أموال مجانيه. لقد أُنشئت عبر عقود من الضرائب التي دفعها المواطنون، وعبر قروض تحمل الاقتصاد المصري أعباء فوائدها وأقساطها، وعبر موارد كان يمكن توجيهها إلى مجالات أخرى. ولذلك فإن التعامل مع بيع هذه الأصول باعتباره إنجازاً في حد ذاته يمثل اختزالاً مضللاً لقضيه أكثر تعقيداً وأهميه.
النجاح الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس بقدرة الدوله على بيع ما تملك، بل بقدرتها على بناء ما لا تملكه. ولا تُقاس قوة الاقتصاد بحجم الأصول التي تخرج من ملكيته، بل بحجم الأصول الجديده التي يضيفها إلى ثروته الوطنيه.
حتى هذه اللحظه، لا تزال الإجابه عن السؤال المركزي غائبه: هل تُستخدم حصيلة بيع الأصول لبناء قاعده إنتاجيه أكثر قوه؟ هل تذهب إلى الصناعه والزراعه والتكنولوجيا والتصدير؟ هل تُستخدم لإنشاء مصادر دخل مستدامه قادره على توليد النقد الأجنبي وتقليل الاعتماد على الاقتراض؟ أم أنها تُوجَّه بالأساس لتخفيف ضغوط الديون وتمويل الالتزامات العاجله وسد الفجوات الماليه المتكرره؟
غياب الإجابه الواضحه هو أصل المشكله.
فحين تُباع الأصول في ظل غياب بيانات تفصيليه وشفافيه كافيه حول أوجه استخدام الحصيله، يصبح من حق المواطنين والخبراء أن يتساءلوا: هل نحن أمام إعادة هيكله اقتصاديه حقيقيه أم أمام إدارة أزمة سيوله؟
الفرق بين الحالتين هائل.
إعادة الهيكله تعني تحويل أصل قائم إلى أصل أكثر إنتاجيه. أما إدارة الأزمه فتعني تحويل أصل دائم إلى سيوله مؤقته سرعان ما تتبخر، بينما تبقى جذور المشكله على حالها.
والمؤشرات التي يجب أن تحسم هذا الجدل ليست التصريحات الرسميه ولا العناوين الإعلاميه، بل الأرقام الصلبه: هل ترتفع الصادرات؟ هل تتوسع القاعده الصناعيه؟ هل ينمو الإنتاج الزراعي؟ هل تتراجع الحاجه إلى الاقتراض الخارجي؟ هل تنخفض أعباء خدمة الدين؟ هل يتحسن الميزان التجاري بصوره مستدامه؟
إذا كانت الإجابه نعم، فسيكون من الممكن الدفاع عن سياسة بيع بعض الأصول باعتبارها جزءاً من إستراتيجيه اقتصاديه واضحه.
أما إذا استمرت الديون في التصاعد، واستمرت الحاجه إلى تمويل جديد، واستمرت الدوله في البحث عن أصول إضافيه للبيع، فإن السؤال سيعود في كل مره بصوره أكثر إلحاحاً: إذا كانت الأصول تُباع اليوم لسداد التزامات الأمس، فمن أين ستأتي موارد الغد؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دوله ليس بيع أصل هنا أو هناك، بل تحول بيع الأصول من إجراء استثنائي إلى نموذج اقتصادي دائم. لأن الأصول مورد محدود، بينما الاحتياجات التمويليه لا حدود لها.
ولهذا فإن القضيه لم تعد قضية صفقات منفرده، بل قضية رؤيه اقتصاديه كامله. رؤيه يفترض أن تجيب بوضوح وشفافيه عن سؤال واحد لا يمكن الهروب منه إلى الأبد:
هل يجري تحويل الثروه العامه إلى استثمارات إنتاجيه تصنع مستقبلاً أكثر قوة واستقلالاً، أم يجري استهلاكها لتأجيل استحقاقات أزمه لم تُعالج أسبابها بعد؟
حتى يتم تقديم إجابه واضحه ومدعومه بالأرقام على هذا السؤال، سيبقى من حق الرأي العام أن ينظر إلى موجة بيع الأصول بعين القلق لا بعين الاطمئنان، وأن يتساءل: هل نبني اقتصاداً ينتج ويُصدّر ويخلق الثروه، أم نستهلك ما تراكم من ثروات الماضي لإطالة عمر أزمة الحاضر؟
فالدول لا تصبح غنيه ببيع أصولها، بل بما تنتجه بعد ذلك. وهذه هي النقطه التي يجب أن يبدأ منها أي نقاش اقتصادي جاد،  هل تُحوَّل الأصول المباعه إلى قدره إنتاجيه جديده أم إلى مجرد أداة لتخفيف ضغوط الديون؟ 
وإذا كانت حصيلة بيع الأصول تمثل جزءاً من إستراتيجيه تنمويه، فأين الخطه المعلنه التي تربط بين كل دولار يتم تحصيله وبين زياده محدده في الإنتاج أو التصدير أو خفض الدين؟