فى سوق الفضاء الإلكترونى
براءة للبيع
آباء ديجيتالب يتاجرون بفلذات أكبادهم.. ولابد من عقوبات رادعة
خبراء: الأطفال «منتج رقمى» لجمع الدولارات عبر مواقع الإنترنت
كان من المفترض أن تظل ضحكة الطفل ذكرى تحتفظ بها الأسرة فى ألبوم صور أو مقطع عابر يعكس براءة لحظة لن تتكرر , لكن مع صعود اقتصاد «التريند» وهيمنة منصات التواصل الاجتماعى, تبدلت المعادلة, فلم تعد صور الأطفال ومقاطعهم مجرد ذكريات عائلية, بل أصبحت مادة لصناعة المحتوى, تتسابق عليها «الخوارزميات», وترتفع بها نسب المشاهدة, وتتدفق من خلالها الأرباح إلى حسابات يديرها الكبار, بينما يبقى الطفل وحده من يدفع الثمن; خصوصية تُنتهك, وبراءة تُستغل, وهوية رقمية تُصنع قبل أن يدرك حتى معنى الموافقة أو الرفض.
كان من المفترض أن تظل ضحكة الطفل ذكرى تحتفظ بها الأسرة فى ألبوم صور أو مقطع عابر يعكس براءة لحظة لن تتكرر, لكن مع صعود اقتصاد «التريند» وهيمنة منصات التواصل الاجتماعى, تبدلت المعادلة, فلم تعد صور الأطفال ومقاطعهم مجرد ذكريات عائلية, بل أصبحت مادة لصناعة المحتوى, تتسابق عليها «الخوارزميات», وترتفع بها نسب المشاهدة, وتتدفق من خلالها الأرباح إلى حسابات يديرها الكبار, بينما يبقى الطفل وحده من يدفع الثمن; خصوصية تُنتهك, وبراءة تُستغل, وهوية رقمية تُصنع قبل أن يدرك حتى معنى الموافقة أو الرفض.
وفى سباق لا يعترف إلا بالأرقام، تجاوز بعض صناع المحتوى حدود مشاركة اللحظات العائلية، ليحولوا الأطفال إلى وسيلة لجذب المتابعين وتحقيق المكاسب. فمن مقاطع المقالب التى تنتهى بدموعهم، إلى فيديوهات تكشف تفاصيل حياتهم الخاصة أو تمس كرامتهم، مرورًا باستخدامهم فى الترويج للمنتجات والإعلانات، تتعدد صور الاستغلال بينما يبقى الهدف واحدًا: المزيد من المشاهدات والعائدات، والمفارقة الأكثر قسوة أن من يقف خلف الكاميرا، فى كثير من الأحيان، هو الأب أو الأم، اللذان يفترض أن يكونا خط الدفاع الأول عن أطفالهم.
ومع اتساع الظاهرة، لم يعد الجدل يدور فقط حول حدود حرية النشر، بل امتد إلى تساؤلات أكثر: أين تنتهى سلطة الأسرة على صور أبنائها؟ ومتى يتحول توثيق لحظات الطفولة إلى انتهاك لحقوق الطفل؟ وهل تملك القوانين الحالية الأدوات الكافية لحماية الأطفال من الاستغلال التجارى فى الفضاء الإلكترونى؟
وقد كشفت السنوات الأخيرة عن وقائع أثارت غضبًا واسعًا، بعدما تحول الأطفال إلى أبطال لمحتوى صُمم خصيصًا لجذب المشاهدات وتحقيق الأرباح، الأمر الذى استدعى تدخل المجلس القومى للطفولة والأمومة والنيابة العامة فى أكثر من مناسبة.
فمنذ فترة تدخل المجلس القومى للطفولة والأمومة لوقف إعلان ترويجى لأحد البرامج التلفزيونية بعد ظهور طفلين فى قالب يحاكى برامج التعارف والمواعدة الخاصة بالبالغين، معتبرًا أن الزج بالأطفال فى مثل هذه السياقات يمثل انتهاكًا لحقوقهم واستغلالًا لبراءتهم، مما أدى إلى وقف الإعلان بعد موجة واسعة من الانتقادات.
كذلك أصدر المجلس القومى للطفولة والأمومة خلال عامى 2024 و2025 عدة تحذيرات رسمية، أكد خلالها رصد تزايد استخدام الأطفال فى مقاطع البث المباشر والإعلانات والمحتوى الترفيهى بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق الأرباح، مشددًا على أن استغلال الأطفال عبر المنصات الرقمية يمثل انتهاكًا لحقوقهم.
سبق ذلك وقائع أثارت الرأى العام منها قيام «اليوتيوبر» أحمد حسن وزوجته زينب ببث مقاطع فيديو ظهرت فيها طفلتهما الرضيعة وهما يتعمدان تخويفها واستغلال بكائها لحصد ملايين المشاهدات، وهو ما دفع المجلس القومى للطفولة والأمومة للتقدم ببلاغ إلى النائب العام، وألقى القبض على الأبوين.
بعد ذلك تكررت الواقعة مع «البلوجر» هبة السيد، المعروفة بـ«أم زياد»، والتى أحيلت إلى المحاكمة على خلفية نشر مقاطع مصورة ظهر فيها أطفالها داخل محتوى أثار انتقادات واسعة، واعتبرته جهات التحقيق استغلالًا للأطفال لتحقيق نسب مشاهدة وعائد مادى عبر منصات التواصل الاجتماعى.
وتكشف هذه الوقائع أن استغلال الأطفال عبر المنصات لم يعد مجرد تجاوزات فردية، بل بات ظاهرة تتداخل فيها اعتبارات الربح مع غياب الضوابط، فى وقت تتسابق فيه «الخوارزميات» إلى دفع هذا النوع من المحتوى إلى ملايين المستخدمين
«خوارزميات» لا تعرف الأخلاق
وتعليقًا على ذلك أكد الدكتور محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبرانى ومكافحة الجرائم الإلكترونية وخبير الذكاء الاصطناعى، أن استغلال الأطفال عبر منصات التواصل الاجتماعى لم يعد مجرد قضية اجتماعية أو أخلاقية، بل تحول إلى أحد أخطر تحديات الأمن الرقمى فى عصر يقوم على البيانات و«الخوارزميات»، موضحًا أن الطفل فى بعض الحالات ليس مستخدمًا للمنصة، بل أصبح «منتجًا رقميًا» يدر أرباحًا من خلال المشاهدات والإعلانات. وأوضح أن الانتشار الواسع لمقاطع الأطفال لا يعود إلى استهدافهم بشكل مباشر، وإنما إلى طبيعة «خوارزميات» المنصات التى تعتمد على مؤشرات مثل مدة المشاهدة، ومعدلات التفاعل، وإعادة تشغيل الفيديو، والتعليقات والمشاركات. وبما أن المحتوى الذى يظهر فيه الأطفال يثير عادة مشاعر التعاطف أو الضحك أو الدهشة، فإنه يحصد معدلات تفاعل مرتفعة، فتدفعه «الخوارزميات» تلقائيًا إلى مزيد من المستخدمين، بما يضاعف انتشاره ويزيد من العوائد الإعلانية.
وأشار «رمضان» إلى أن الأزمة لا تكمن فى «الخوارزميات» ذاتها، فهى لا تمتلك معايير أخلاقية، وإنما صُممت لتعظيم التفاعل وتحقيق الأرباح، بينما تقع المسئولية الحقيقية على صناع المحتوى والمنصات والجهات الرقابية، التى ينبغى أن تضع ضوابط واضحة تحول دون تحويل الأطفال إلى وسيلة للكسب.
وحذر من أن النشر المتكرر لصور الأطفال ومقاطعهم يصنع ما يعرف بـ«البصمة الرقمية»، وهى سجل إلكترونى يلازم الطفل مستقبلًا. وتتضمن هذه البصمة: ملامح الوجه، وطريقة الحديث، والموقع الجغرافى، والمدرسة، والأنشطة اليومية، وهى بيانات قد تُستغل فى تحليل السلوك أو انتحال الهوية أو الابتزاز الإلكترونى، خاصة مع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعى والتزييف العميق (Deepfake).
وأضاف خبير الأمن السيبرانى أن مشاركة تفاصيل الحياة اليومية للأطفال تمنح مجرمى الإنترنت معلومات قد تُستخدم فى عمليات الهندسة الاجتماعية والاحتيال والاستهداف الإلكترونى، لافتًا إلى أن الخطر لا يقتصر على الجانب الأمنى، بل يمتد إلى الأثر النفسى والاجتماعى، إذ قد يكبر الطفل ليجد تفاصيل حياته الخاصة متاحة للجميع، دون أن يمتلك يومًا حق الموافقة على نشرها.
وأكد أن منصات التواصل تتحمل جانبًا كبيرًا من المسؤولية، لما تمتلكه من تقنيات متطورة لتحليل الصور والفيديوهات ورصد الأنماط السلوكية، بما يمكنها من اكتشاف الحسابات التى تعتمد بصورة ممنهجة على استغلال الأطفال لتحقيق الأرباح، وفرض مراجعات أكثر صرامة قبل السماح بتحقيق الدخل، إلى جانب تقليل انتشار المحتوى الذى ينتهك حقوق الطفل.
سبل المواجهة
وشدد الدكتور محمد محسن رمضان على أن مواجهة الظاهرة تتطلب تكاملًا بين التشريع والتكنولوجيا والتوعية، من خلال تطوير أدوات ذكاء اصطناعى قادرة على اكتشاف أنماط الاستغلال التجارى للأطفال، وإلزام المنصات بسياسات أكثر صرامة تجاه المحتوى الذى يعتمد على ظهورهم، مع تعزيز أدوات حماية الخصوصية، وإطلاق حملات توعية تستهدف الأسر بمخاطر النشر غير المنضبط.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن حماية الطفل فى العصر الرقمى لم تعد مسؤولية الأسرة وحدها، بل أصبحت مسؤولية مشتركة بين الدولة والمنصات الرقمية والمؤسسات التعليمية والإعلامية.
آثار نفسية
من جانبها، حذرت الدكتورة عبير عبدالله، الاستشارى النفسى والتربوى، من أن استغلال الأطفال فى صناعة المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعى لا يترك أثرًا عابرًا، بل قد يمتد لسنوات، مؤثرًا فى تكوينهم النفسى والاجتماعى ومستقبلهم.
وقالت لـ«الوفد»، إن الطفل الذى يقضى جزءًا كبيرًا من وقته فى صناعة المحتوى ومتابعة التعليقات والإعجابات يبدأ تدريجيًا فى ربط قيمته الذاتية بما يحققه من مشاهدات وتفاعل، وهو ما ينعكس سلبًا على هويته الاجتماعية وعلاقاته الطبيعية مع أسرته وأصدقائه. وهذا الارتباط بالعالم الافتراضى قد يدفع الطفل إلى العزلة والانفصال عن محيطه الحقيقى، ليصبح اهتمامه الأكبر بما يحدث على المنصات، رغم أن الإعجابات والتعليقات لا تمثل علاقات إنسانية حقيقية، وإنما تفاعلًا لحظيًا قد يختفى فى أى وقت.
وأوضحت الدكتورة عبير أن الأطفال أكثر حساسية تجاه التعليقات السلبية والتنمر الإلكترونى، إذ قد تترك كلمة جارحة أو تعليق ساخر أثرًا عميقًا فى ثقتهم بأنفسهم، خاصة فى المراحل العمرية المبكرة.
وأكدت أن تصوير الأطفال فى مواقف محرجة، أو نشر صورهم أثناء النوم أو الاستحمام أو فى أوضاع تمس خصوصيتهم، يعد من أخطر أشكال الاستغلال النفسى، لأنه يغرس لديهم فكرة أن أجسادهم وخصوصيتهم يمكن أن تتحول إلى وسيلة لجنى المال أو الشهرة أو الإعجابات. وعندما يكبر الطفل، قد يشعر بالخجل أو الندم، لكنه يكتشف أن تلك المقاطع انتشرت على الإنترنت وأصبح حذفها بالكامل شبه مستحيل.
وأشارت إلى أن السعى وراء «التريند» يدفع بعض الأطفال إلى تقديم محتوى أكثر غرابة أو صدمة للحصول على مشاهدات أكبر، ما يجعلهم عرضة للتنمر والإساءات اللفظية، وقد يقود بعضهم إلى أزمات نفسية أو نفور تام من منصات التواصل.
وأضافت أن الشهرة المبكرة قد تعيد تشكيل منظومة القيم لدى الطفل، فيصبح عدد المتابعين والمشاهدات هدفه الأول، ولو جاء ذلك على حساب دراسته أو أسرته أو سلوكه، كما قد يصبح أكثر عصبية ورفضًا لأى محاولة للحد من استخدامه للمنصات، معتقدًا أن ذلك يحرمه من النجاح، بينما يكون فى الواقع أسيرًا لوهم الشهرة.
ولفتت إلى أن الانشغال المستمر بصناعة المحتوى ينعكس أيضًا على المستوى الدراسى، حيث يقضى الطفل ساعات طويلة أمام الهاتف على حساب المذاكرة، ما يؤدى إلى تراجع مستواه التعليمى، وقد يصل الأمر إلى فقدان اهتمامه بالتعليم بالكامل. ووجهت رسالة إلى أولياء الأمور، دعتهم فيها إلى عدم تحويل أطفالهم إلى وسيلة لتحقيق الأرباح أو الشهرة، مؤكدة أن أخطر ما قد يتعلمه الطفل فى سنواته الأولى هو أن قيمته تقاس بالمال أو الإعجابات أو الدعم الذى يحصل عليه عبر الإنترنت. وأضافت: «إذا نشأ الطفل على استغلال نفسه من أجل الشهرة أو الربح، فقد يحمل هذا النمط معه فى مختلف مراحل حياته، لذلك علينا أن نحافظ على خصوصيته وكرامته
جريمة أخلاقية
وترى داليا نعمان، المحامية بالنقض، أن استغلال الأطفال عبر منصات التواصل الاجتماعى لتحقيق الأرباح أو زيادة نسب المشاهدة يمثل جريمة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون مخالفة قانونية، مؤكدة أن براءة الأطفال يجب أن تظل خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه أو المتاجرة به تحت أى مبرر.
وقالت لـ«الوفد» أن بعض صناع المحتوى باتوا ينظرون إلى الطفل باعتباره وسيلة لجذب المشاهدات وتحقيق الأرباح، لا إنسانًا يتمتع بحقوق أصيلة.
وأضافت أن خطورة الظاهرة تتضاعف عندما يكون من يقف خلف الكاميرا هو الأب أو الأم، اللذان يفترض أن يكونا خط الدفاع الأول عن خصوصية الطفل وكرامته، لا سببًا فى تعريضه للتنمر أو الاستغلال من أجل مكاسب مادية أو شهرة مؤقتة.
وأوضحت أن وسائل التواصل الاجتماعى فرضت أنماطًا جديدة من المحتوى لا تنسجم فى كثير من الأحيان مع القيم الدينية والأخلاقية والثقافية للمجتمع، لافتة إلى أن المحتوى الموجه للأطفال كان يعتمد فى السابق على الترفيه والتعليم، بينما أصبح بعضه اليوم يوظف الأطفال لتحقيق أعلى عائد مادي
وشددت على أن القوانين الحالية، رغم احتوائها على نصوص تكفل حماية الطفل من مختلف صور الاستغلال، فإن التطور المتسارع لمنصات التواصل أفرز أنماطًا جديدة من الانتهاكات تستوجب تدخلًا تشريعيًا أكثر حسمًا، مطالبة بتعديل قانون الطفل ليشمل نصوصًا صريحة تجرم استغلال الأطفال فى صناعة المحتوى الإلكترونى أو استخدامهم لتحقيق الربح والشهرة، مع تشديد العقوبات على كل من يثبت تورطه فى هذه الممارسات، بما يضمن حماية حقوق الأطفال وصون كرامتهم وهويتهم الرقمية.


تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض