ضمير_مستتر
بيئة الحياة الحزبية بعد 25 يناير 2011
الجزء الأول
ـ كان الموقف فى 25 يناير مشابهًا، فى ظاهره، لمشهد ثورة 19، الفارق أن الأمة خرجت سنة 19 لمواجهة إحتلال أجنبى، بينما خرجت فى 25 يناير، "كما هيأ لها بعضهم"، لمواجهة إحتلال محلى كانت نتائجه أكثر وبالًا على الأمة وأشد كارثية لا جدال.
ـ صحيح أن الكثير من نتائج ثورة 1919 قد أجهضت، كما جرى على حراك يناير، لكن بقى لثورة 19 حزبٌ يتحدث بأهدافها، بينما لم يلد رحم يناير إلا المزيد من التفتيت والتشرذم، فانتهى بها الأمر أن صارت فريسة بين أحزاب جديدة متناحرة، وأحزاب قديمة لم تظهر كرامة على مدى 30 عاما، فشلت فى تصدر مشهد الحكم رغم الفرص السهلة المتاحة.
ـ وحتى عندما صدَّقَت "يناير" أنها نجحت بنفسها فى الإطاحة برأس النظام، بينما الحقيقة ـ على حد رأيى ـ أن الأمر كان حلقة من صراعات الحرس القديم والجديد فى عهد مبارك، ربما لإستعادة الدولة من براثن مجموعة "جمال ـ عز"، الى براثن من يرى أنها إرثه الخاص ودوره الوطنى منذ الملك مينا.
ـ وعلى حدّ رأيى، كان نجاح الأمر يحتاج الى ظهير جماهيرى يؤدى دور البطولة لإنجاح الفيلم، أشبه بما يحدث فى الأفلام المصرية التى يظهر فيها البطل لاعب كرة يهتف له الجمهور فى لقطات مركبة من الإستاد، دون أن يعلم ذلك الجمهور أنه أدى دور "الكومبارس" بالمجان، فى سيناريو ربما تعمد بدقة شديدة ألا تخرج قيادة بديلة من بين صفوف يناير، وهو ما ترك فراغًا سرعان ما شغله ـ الى حين ـ تحالف القوتين العظميين منذ 1952، أقصد الجيش والإخوان وتفريعاتها قبل فض التحالف، بعد أن أضاعت الأحزاب والتيارات المدنية الفرصة تلو الفرصة، خاصة حزبى الوفد والناصرى وتيارات اليسار.
• حزب الوفد الجديد:
ـ كونه الكيان المدنى غير الفاشيستى، الوحيد القادر على جمع الأمة وقتها، والى اليوم والغد لو صلح أمره، ذلك لأن أيدولوجيته الحقيقية ـ المفتقدة ـ تتمحور حول فكر وقِيَّم وليس حول شخص أو مذهب، لولا إنشغاله، المعتاد، بصراعات الكراسى الداخلية وتسكين اللجان الإقليمية بأتابكيات كل قائد إستعدادًا ليوم ينادِ المنادٍ "لِمن الوفد اليوم؟"!
الى جانب لعبة التوازنات الخاطئة وحالة الفصام التى إنتابت أروقة الحزب، فتجدها تارة تؤيد طرفًا ضد اخر ثم تعود لتأييد الطرف الآخر ضد الأول، فمرة تطالب برأس المشير لحساب المرشد، ومرة تطالب برأس المرشد لحساب المشير، دون أن تطالب بشىءٍ لحساب الوطن.
• الحزب العربى الديمقراطى الناصرى:
ـ وفشل، كعادته الأثيرة، فى التسويق لنفسه بين شباب الميدان الذين رفعوا صور "جمال عبد الناصر" فى رمزية واضحة، رغم أن أباءهم حتى لم يروا ناصر ولم يشهدوا عصره، فإنشغل الحزب بنفس الآفة، ليفقد آخر فرصة للوقوف على قدميه، ولينتهى به الحال مستكينًا فى مقره بشارع "طلعت حرب" يستمتع "بالبلبطة فى فسقية بستان الإشتراكية"!
• تيارات اليسار:
ـ ورغم أن 25 يناير قالوا أنها اندلعت أصلًا بسبب زيادة معدلات الفقر، وإرتفاع وتيرة الإحتجاجات العمالية، وهو مناخ مثالى جدا لإنتشار الأفكار اليسارية، إلا أننا نلاحظ تراجع الحضور السياسى للقوى اليسارية، المدافعة عن الفقراء، ربما لأن الخطاب اليسارى ظل خطابًا نخبويًا متعاليًا، حبيس الصالونات الثقافية المغلقة، يصعب على البسطاء فى الشارع فهمه والتفاعل معه، ولم يسع للإنتشار والعمل فى الشارع، إلى جانب ضعف قدراته المالية والتنظيمية.
ـ الأكثر كارثية وخطورة، على حد رأيى، كان حالة السيولة الفكرية والتنظيمية الهائلة "المتعمدة"، التى شرذمت شباب يناير الى عشرات الإئتلافات مدعية الثورية، ربما بترتيب من قوى فوقية، أو بتعليمات من تلك القوى الى أذنابها من بعض الأحزاب القديمة، او من بعض رجال المال الذين أنفقوا بسخاء على شباب الميدان فحولوا الكثير منهم ـ فى ظل ثقافة المنفعة و'السبوبة" ـ الى ميليشيات تؤدى خدماتها الى من يدفع، دون ترتيب من الشباب الوطنى الحقيقى لأولويات الميدان، ودون فصل بين أدوات معركة الهدم وأدوات معركة البناء، ولا استيعاب للفارق الشاسع بين الحركات الإحتجاجية وجماعات الضغط وبين الحزب السياسى.
ذلك ببساطة لأنها ـ أقصد يناير ـ ربما لم تكن تملك من قرار حراكها شيئًا فى البدء او فى المنتهى، فهبئت الفرصة الذهبية لعودة وجوه النخبة السياسية القديمة وذريتها، بكل فسادها وخطاياها، إلى صدارة المشهد من جديد، ووزعت نفسها على الأحزاب الجديدة والقديمة، حتى أن أحد أمناء الحزب الوطنى المنحل أصبح قياديًا مرموقًا فى أحد الاحزاب الكبيرة ذات الايدولوجيا المختلفة، وليستمر العرض الى يومنا هذا.
قانون الأحزاب الجديد وأثره على تشكيل الوعى السياسى
ـ فى 28 مارس 2011 أصدر المجلس العسكرى مرسوماًا بقانون رقم (12) لسنة 2011 بتعديل بعض أحكام قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 فيما يتعلق بشروط تأسيس واستمرار الأحزاب، كان اهمها لحديثنا:
• إنشاء لجنة قضائية خالصة تختص بفحص ودراسة إخطارات تأسيس الأحزاب السياسية
• تأسيس الحزب وإنشاؤه بمجرد الإخطار، ويمارس الحزب نشاطه السياسى اعتبارًا من اليوم التالى لمرور ثلاثين يومًا من إخطار لجنة الأحزاب دون اعتراضها.
• أن يوقع على إخطار قيام وتأسيس الحزب 5000 عضو مؤسس من عشرة محافظات على الأقل، بما لا يقل عن 300 عضو من كل محافظة. وينشر فى الصحف.
• إلغاء الدعم المادى الذى كان يتم تقديمه للأحزاب عن طريق الدولة، وتقليل مدة عضوية الأحزاب للمتجنسين إلى خمس سنوات وليس عشر سنوات
• ألغى القانون الجديد ما إشترطه القانون 40 لسنة 1977 حول عدم إعتبار الأحزاب الجديدة إمتدادًا للأحزاب التى شملها قرار الحل سستمبر 1953 خاصة فى الأسماء.
ـ هنا نرى أن ذلك القانون ربما كان هو الدافع الأول لإفشال التجربة الحزبية الجديدة وتفشى ظاهرة المال السياسى وتقنين عمليات بيع مقاعد البرلمان فى مزادات علنية داخل الأحزاب، أو شرائها ببونات السوبر ماركت وصناديق الإعانات الرسمية والنقدية، وذلك لعدة أسباب، أهمها:
• سلبية اغلب المواطنين فى السعى للمشاركة فى تأسيس حزب والمشاركة فى نفقاته، بعد خبرتهم مع الحياة الحزبية طيلة 30 عاما فى عهد مبارك، وفشلها الذريع فى وظيفة التثقيف السياسى، أحد أهم وأبرز وظائفها، والتى من ضمن أهدافها توعية المواطن أن الحزب القوى وبرنامجه هو أحد حلول أزمته الإقتصادية، وأنه هو الضمانة السياسية الوحيدة لحقوقه فى مواجهة بطش أية سلطة.
• الكلفة المالية المرتفعة جدا لعملية تأسيس حزب حسب القانون الجديد، والتى مع سلبية المواطن فسيتولاها مؤسسوه بداهة، من رسوم التوكيلات و"اكرامية" من يوافق على تحرير التوكيل، الى مصاريف النشر فى الصحف، الى مؤتمرات الدعاية، الى الإنتقالات الى آخره .. كل ذلك هكذا لله ثم للوطن كما يظن البعض!!
ـ لذلك كان من الطبيعى مع هذا القانون أن ينبرى لعملية تأسيس حزب جديد تيارات لا علاقة لأحدها بالعمل السياسى الجاد كهدف بمفهومه الحقيقى:
1. التيار الأول: من أحزاب غير جماهيرية مدعومة من بعض أجهزة الدولة لدعم قيادة الدولة من وجهة نظر تلك الأجهزة.
2. التيار الثانى: من أحزاب غير جماهيرية أيضا لكن من رجال الأعمال وأصحاب الملاءة المالية لمجرد إستكمال ديكورات الوجاهة الإجتماعية لأنفسهم لا أكثر.
3. التيار الثالث: من أحزاب دينية جماهيرية تحينت الفرصة لتفعيل عقيدتها الفكرية المتسترة بالدين، والتى يمكنها أن تجمع من أعضائها ومريديها أضعاف أضعاف التكلفة المطلوبة لإعلان حزب، حتى لو كانوا من خارج هياكلها التنظيمية، وطواعية وعن قناعة تامة كاملة أنه نوع من الجهاد، الى جانب أنها الوحيدة التى تمتلك ظهيرًا جماهيريًا واسعًا، يتلغل فى كل بقعة على أرض مصر، يمكنها تحريكه وقتما وكيفما تشاء، أيضًا حتى لو لم يكن ضمن هياكلها التنظيمية، ومن ينكر ذلك الآن فهو واهمٌ واهمٌ واهم.
ـ ثم وفى نهاية عام 2011 شهدت مصر أول إنتخابات برلمانية بعد أحداث يناير، غابت عنها الأفكار والبرامج، واتسمت بالحضور الطاغى للظهيرين الدينى والمالى، فنجد التيار السلفى يأتى كثانى أكبر قوة سياسية بعد تيار الاخوان، بالرغم من حداثة عهده بالعمل السياسى، وبالرغم من موقفه المقاطع المُحرِّم للسياسة برُمّتها قبل يناير، وهو ما يعنى تحليلًا انه حصل على مكانته البرلمانية بالظهير الدينى وليس السياسى، وعلى حساب حزب الوفد الجديد مثلًا الذى انشغل بلعبة التوازنات الخائبة بين القوتين العظميين ناسيًا دوره المأمول فكانت بدايات النهاية.
ـــ ونلتقى الحلقة القادمة مع من إهتم فشاء أن يتابع، لنستكمل الجزء الثانى حول "أخطاء الأحزاب، بعد 25 يناير"
ذلك إن أراد الله وكان فى العمر بقية، سبحانه، هو المستعان ، منه نهتدى، واليه نستند، وبه، تعالى، نتأيد، ولك يا مصر السلامة، وسلامًا يا بلادى
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض