رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

قطوف (نقد)

التحليل النفسي للعلاقة بين سعيد وألما في رواية "ألما"

بوابة الوفد الإلكترونية

في رواية “ألما”، للكاتب كريم جدي، تقوم العلاقة بين البطلين سعيد وألما على مفارقة نفسية مؤلمة؛ فكل منهما أحب الآخر، لكن كل واحد منهما عاش الحب بطريقة مختلفة وفي توقيت مختلف. ولذلك لم يكن الزمن عدواً لهما بقدر ما كان الصمت وسوء الفهم والخوف.


أولاً: سعيد... حين يتحول الحب إلى هوية


لم يحب سعيد ألما لأنها أجمل فتاة في المدرسة فقط، وإنما لأنها كانت أول شخص عامله بإنسانية في لحظة كان يشعر فيها بأنه غير مرئي. عندما اقتسمت معه طعامها وهو الطفل المحروم، لم تمنحه مجرد لقمة، بل منحته اعترافاً بوجوده. ومن هنا انتقلت ألما في لاوعيه من كونها فتاة إلى رمز للأمان والاحتواء.
من منظور علم النفس، كان سعيد يعاني من حرمان عاطفي مبكر نتيجة قسوة والده وحرمانه من الحنان والقبول داخل الأسرة. الطفل الذي لا يجد الحب في بيته يبحث عنه خارجه، وأول شخص يملأ هذا الفراغ يتحول غالباً إلى مركز الكون بالنسبة إليه.
لهذا لم يكن سعيد يحب ألما وحدها، بل أحب الشعور الذي عاشه معها. لقد أصبحت تمثل لديه الأم الحنون، والصديقة، والوطن، والنجاة من الوحدة، ولذلك كان فقدها يعني فقدان المعنى نفسه.
كما أن سعيد كان يعيش ما يعرف في علم النفس بـ “التعلق القلقي”؛ فهو يخشى الرفض إلى درجة أنه فضّل الصمت على احتمال سماع كلمة "لا". ولهذا ظل يحمل حباً صامتاً أكثر من عشرين عاماً، لأن الخيال كان بالنسبة إليه أقل إيلاماً من الرفض الحقيقي.
لقد صنع سعيد داخل ذهنه صورة مثالية لألما، حتى أصبحت أقرب إلى فكرة مقدسة منها إلى إنسانة عادية. وكلما ازداد بعده عنها، ازدادت هذه الصورة نقاءً، لأن الغياب يسمح للخيال بإزالة العيوب وإبراز الكمال.
ولهذا يمكن القول إن سعيد لم يكن يعيش مع ألما الواقعية، بل مع "ألما النفسية" التي بناها داخل وجدانه، والتي أصبحت جزءاً من هويته الشخصية.


ثانياً: ألما... حب متأخر ولد من الفقد


أما ألما، فتختلف بنيتها النفسية تماماً عن سعيد.
هي لم تقع في الحب منذ البداية، لأنها كانت تنظر إلى سعيد باعتباره صديقاً مقرباً وإنساناً طيباً. كانت ترى الحاضر، بينما كان سعيد يعيش المستقبل كله معها.
لكن بعد غيابه وموته بدأت عملية نفسية معروفة تسمى إعادة تقييم الذاكرة؛ فالإنسان كثيراً ما يدرك قيمة الأشخاص بعد فقدهم، لأن الذاكرة تنتقي أجمل اللحظات وتستبعد التفاصيل العابرة.
شعور ألما بالندم ليس مجرد حزن على موت سعيد، بل هو شعور بالذنب لأنها أدركت متأخرة أنها كانت محبوبة بذلك العمق الذي لم تتخيله.
ولهذا كتبت عبارتها المؤلمة:
"سامحني... لم أستطع أن أحبك وأنت حي، فأحببتك وأنت ميت."
إنها جملة تختصر آلية نفسية معروفة؛ فالفقد يكشف قيمة الأشياء التي كان حضورها يبدو عادياً.


ثالثاً: لماذا لم يلتقيا رغم أنهما أحبا بعضيهما؟


تكمن مأساة الرواية في أن المشكلة لم تكن غياب الحب، وإنما غياب التواصل.
سعيد أخفى مشاعره خوفاً من الرفض.
وألما لم تدرك تلك المشاعر لأنها لم تسمعها.
وبين الصمت والجهل ضاع العمر كله.
وهذا يعكس حقيقة نفسية مهمة: كثير من العلاقات لا تنتهي بسبب عدم وجود الحب، وإنما بسبب العجز عن التعبير عنه.


رابعاً: الرسائل... علاج نفسي متأخر


حين كتب سعيد رسائله، لم يكن ينتظر جواباً.
لقد كانت الكتابة بالنسبة إليه نوعاً من العلاج النفسي. ففي علم النفس تُعد الكتابة الاعترافية وسيلة لتحرير المشاعر المكبوتة، ولذلك جاءت الرسائل مليئة بالتفاصيل المؤلمة، وكأنها جلسة علاج طويلة يفرغ فيها الإنسان سنوات من الألم دفعة واحدة.
أما بالنسبة لألما، فقد أصبحت هذه الرسائل علاجها هي أيضاً؛ فمن خلالها أعادت بناء صورة سعيد، وفهمت حياته الداخلية التي لم تكن تعرفها، لكنها لم تستطع تغيير النهاية.
خامساً: الحب عند سعيد والحب عند ألما
الحب عند سعيد كان احتياجاً وجودياً؛ فهو أحب ليبقى على قيد الحياة نفسياً.
أما الحب عند ألما فكان وعياً متأخراً؛ فهي أحبت بعد أن فهمت حقيقة الرجل الذي أحبها.
لذلك كان سعيد يعيش على الأمل، بينما كانت ألما تعيش على الندم.


الخلاصة النفسية


إن العلاقة بين سعيد وألما ليست علاقة عاشقين فقط، بل علاقة بين جرحين نفسيين التقيا في الزمن الخطأ. سعيد كان يبحث عن من يضمد طفولته المكسورة، وألما لم تدرك أنها كانت تحمل الدواء إلا بعد أن فقدت المريض.
ولهذا فإن مأساة الرواية ليست أن البطل مات، بل أن الحب عاش داخل قلبين، لكنه لم يولد في الوقت نفسه. لقد سبق حب سعيد اعتراف ألما بسنوات طويلة، وتأخر حب ألما حتى أصبح الاعتذار موجهاً إلى قبر، لا إلى رجل يستطيع أن يسمعه.
من زاوية نقدية، يمكن اعتبار علاقة سعيد وألما مثالًا لما يسميه علماء النفس "الحب غير المتزامن"؛ حيث يبلغ أحد الطرفين ذروة الحب بينما لا يكون الطرف الآخر قد وصل إليها بعد، وعندما يكتمل وعي الثاني بمشاعره يكون الزمن قد أغلق أبوابه. وهذه الفكرة هي، في تقديري، القلب النفسي الحقيقي للرواية.

 أستاذ النقد الأدبي بجامعة تبسة / الجزائر