مصر ما بعد الصندوق
برنامج إصلاح يراعى أولويات الاقتصاد واحتياجات المواطن
الخبراء: لا بد من جذب الاستثمارات الأجنبية وتحفيز النمو وتحسين مستوى معيشة المواطنين
مع اقتراب انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادى المتفق عليه مع صندوق النقد الدولى، يتصاعد الحديث فى الأوساط الاقتصادية والسياسية حول ملامح «اقتصاد ما بعد الصندوق»، وهى المرحلة التى تراهن عليها الدولة المصرية للانتقال من التركيز على تحقيق الاستقرار المالى والنقدى إلى تعزيز النمو المستدام القائم على الإنتاج والاستثمار والتصدير. وقد اكتسب هذا الملف أهمية خاصة بعد حديث الرئيس عبدالفتاح السيسى عن إعداد برنامج اقتصادى وطنى للمرحلة المقبلة، يهدف إلى استكمال مسيرة الإصلاح وفق رؤية مصرية تستند إلى أولويات الاقتصاد الوطنى واحتياجات المواطنين.
أثار مصطلح «اقتصاد ما بعد صندوق النقد الدولى» تساؤلات جوهرية فى الأوساط الاقتصادية حول ملامح المرحلة المقبلة، هذا ما أكده الخبير الاقتصادى محمد أنيس، لافتًا إلى أن برامج الصندوق تُكسب الدول صفتين رئيسيتين يبحث عنهما المستثمرون دائمًا، وهما: الوضوح واليقين، فعندما تواجه حكومة ما أزمات تتطلب إصلاحات وتمويلًا لا تملكه، يكون اللجوء إلى برنامج تمويلى مع صندوق النقد بمثابة التزام بـخطوات إصلاحية محددة وجداول واضحة، وهو ما يمنح المستثمر ثقة ويقينًا بأن هذا المسار هو الوحيد الذى سيتم تنفيذه، ومع ذلك، فإن نهاية أى برنامج مع الصندوق تعنى تلقائيًا دخول هاتين الصفتين (الوضوح واليقين) فى دائرة الشكوك، وهو أمر طبيعى للغاية، ولتفادى ذلك، لابد من صياغة وإطلاق «برنامج وطنى» متكامل خلال الأشهر القليلة القادمة على أن يتسم بثلاث ملامح أساسية، وهم قابلية التنفيذ والوضوح التام، وجداول زمنية محددة وصارمة، والالتزام الكامل بالخطط المعلنة، كما يعتبر الهدف من هذا البرنامج الوطنى هو الحفاظ على أعلى نسبة ممكنة من «الوضوح واليقين» لدى مجتمع المستثمرين فى مرحلة ما بعد الصندوق.
وأشار «أنيس» إلى مدى قدرة الاقتصاد على الاعتماد على نفسه، خاصة بعد الحصول على تمويلات ضخمة من الصندوق، والبنك الدولى، والاتحاد الأوروبى على مدار السنوات الثلاث الماضية؛ يكمن الحل فى تحقيق «التمويل الذاتى»، وعلاج أزمة الفجوة التمويلية الناتجة عن زيادة الاحتياجات الدولارية مقارنة بالقدرة على توليدها، والتى تأتى فى صورة الاستثمارات الأجنبية المباشرة المستهدفة التصدير، حيث إنه يحقق مستهدفين دفعة واحدة وهو تدفق استثمارات أجنبية مباشرة تسد الفجوة التمويلية الحالية دون الحاجة إلى مزيد من الاقتراض، وتوفير عوائد دولارية مستدامة ومستمرة بمجرد بدء تشغيل هذه المشروعات وتصدير إنتاجها، بدلاً من الدخول فى دائرة مفرغة من الاقتراض للإنفاق على استثمارات عامة، مما يرفع التضخم، ويخفض قيمة العملة، وينتهى بالعودة مجدداً لبرامج الصندوق.
ولفت الخبير إلى أنه لزيادة مساهمة القطاع الخاص، يجب التخلص من عوائق الاستثمار التى تفرضها «البيروقراطية، فالمرحلة المقبلة، تطلب الإسراع فى تطبيق آليات التحول الرقمى والشمول المالى، لرفع كفاءة الجهاز الإدارى، حيث تُصنف البيروقراطية الحالية بأنها «معيقة للاستثمار وليست ميسرة له»، وهو ما يستوجب عملاً جاداً لتغيير هذه العقيدة الإدارية.
واضاف أن أهم الأولويات لنجاح اقتصاد ما بعد صندوق النقد هو توجيه كافة الجهود والتشريعات لخدمة «الكلمات السحرية الخمس» واجتذاب الاستثمار الأجنبى المباشر الموجه للتصدير، ثم التحرك السريع فى قطاعات الميزة النسبية، أى التركيز الفورى على القطاعات الإنتاجية التى تمتلك فيها مصر قدرات تنافسية عالية وسريعة العائد، مثل: السياحة، الصناعات الغذائية، ومشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، ونسف البيروقراطية رقمياً، أى ربط الإصلاح الإدارى بالتحول الرقمى الشامل لضمان مرونة وسرعة دخول المستثمرين وتدفق رؤوس الأموال.
و أكد أحمد شوقى الخبير المصرفى، أن التحدى الحقيقى لاقتصاد ما بعد صندوق النقد يكمن فى بناء برنامج قادر على تحقيق ثلاثة أهداف فى وقت واحد، وهو استقرار الاقتصاد الكلى، وتحفيز النمو، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، ومن وجهة نظرى، فإن نجاح أى برنامج وطنى يعتمد على عدة محاور، وهى التحول من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج، فلن تتحسن قيمة العملة، ولن تنخفض الضغوط على ميزان المدفوعات، إذا ظل معدل نمو الواردات أعلى من معدل نمو الإنتاج المحلى، ولذلك يجب أن تصبح الأولوية للصناعة التحويلية، والزراعة عالية القيمة، والاقتصاد الرقمى، والخدمات القابلة للتصدير، فالاقتصاد لا يُبنى بالإنفاق فقط، بل بزيادة الطاقة الإنتاجية، ثم تعظيم الإيرادات الدولارية المستدامة، وخفض الاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل لأنها تجعل الاقتصاد أكثر تعرضا للصدمات، ذلك ينبغى التركيز على مصادر مستدامة للنقد الأجنبى مثل زيادة الصادرات، السياحة، الخدمات الرقمية، اللوجستيات، تحويلات المصريين بالخارج، جذب الاستثمار الأجنبى المباشر، فالهدف ليس فقط توفير الدولار اليوم، وإنما ضمان تدفقه غداً أيضاً، وأخيراً تمكين القطاع الخاص، فلا يوجد اقتصاد حقق نموًا مرتفعا ومستدامًا دون قطاع خاص قوى، ويتطلب ذلك تبسيط الإجراءات، واستقرار التشريعات، وسرعة إصدار التراخيص، وسهولة تخصيص الأراضى، وسرعة الفصل فى المنازعات، وتعزيز المنافسة العادلة، فالاستثمار يبحث أولا عن وضوح القواعد قبل البحث عن الحوافز.
وتابع «شوقى»: هناك أيضًا استدامة إصلاح المالية العامة، فاستدامة المالية العامة لا تعنى فقط خفض العجز، بل تعنى رفع كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع القاعدة الضريبية دون زيادة الأعباء، وخفض تكلفة الدين، وتحسين إدارة الأصول العامة، وفالهدف ليس الإنفاق الأقل، بل الإنفاق الأكثر كفاءة، ويجب وجود سياسة نقدية أكثر ارتباطًا بالإنتاج، والتحول الرقمى والاقتصاد القائم على البيانات، من خلال تطوير البنية الرقمية، وتوسيع المدفوعات الإلكترونية، وتعزيز الشمول المالى، واستخدام الذكاء الاصطناعى فى الإدارة الضريبية والجمركية والخدمات الحكومية، ودعم حوكمة البيانات، منوهًا على أنه يجب إصلاح سوق العمل ورأس المال البشرى، كما أن أفضل السياسات الاقتصادية قد تفقد فعاليتها إذا غابت الحوكمة، كلها عوامل تعزز ثقة المستثمرين والأسواق.
وأكد شوقى أنه إذا كان برنامج صندوق النقد يركز غالباً على تحقيق الاستقرار الاقتصادى الكلى من خلال أدوات مثل ضبط أوضاع المالية العامة، والسياسة النقدية، وإصلاحات سعر الصرف، فإن نجاح أى برنامج وطنى يتطلب البناء على هذا الاستقرار والانطلاق إلى مرحلة أوسع يقودها الإنتاج والاستثمار ورفع الإنتاجية، فالاقتصادات لا تحقق نمو مستدام بالتمويل وحده، ولا بالتقشف وحده، ولا بخفض أسعار الفائدة أو رفعها وحدها، وإنما من خلال برنامج متكامل يوازن بين الاستقرار المالى والنقدى من جهة، والنمو الاقتصادى الشامل من جهة أخرى، فالمعادلة الحقيقية ليست: برنامج صندوق النقد أم برنامج وطنى، المعادلة الصحيحة هى: كيف نبنى برنامجا وطنيا يحقق الاستقرار، ويزيد الإنتاج، ويعزز تنافسية الاقتصاد، ويخلق فرص عمل مستدامة، مع تقليل الاعتماد على التمويل الخارجى بمرور الوقت، وهذا هو المعيار الذى ينبغى أن يُقاس به نجاح أى برنامج اقتصادى، بغض النظر عن اسمه أو الجهة الداعمة له.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض