رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم تكن مشاركة المنتخب المصرى فى المونديال مجرد رحلة كروية عابرة، ولا مباريات تنتهى بصافرة حكم ونتيجة تُكتب فى السجلات، بل كانت لحظة وطنية كبرى كشفت كثيرًا مما كان مختبئًا خلف ستار الرياضة. كانت اختبارًا للوعى، ومرآة للمواقف، ورسالة جديدة تؤكد أن مصر حين تدخل أى محفل عالمى لا تتحرك كفريق كرة فقط، بل كوطن كامل بتاريخه وثقله ومكانته وهيبته.

لقد أثبتت هذه المشاركة أن الفراعنة لم يكونوا يلعبون من أجل بطولة فقط، بل كانوا يدافعون عن صورة وطن، وعن حلم شعب، وعن مكانة دولة تعرف جيدًا كيف تصنع حضورها حتى فى أصعب الظروف. وما حدث داخل الملعب كان جزءًا من الحكاية، أما المشهد الأوسع فكان فى حجم الالتفاف الجماهيرى العربى، وفى حالة الفخر التى صنعها اسم مصر من المحيط إلى الخليج.

كما كشفت البطولة، بوضوح لا يقبل التأويل، حجم الازدواجية فى منظومة الكرة العالمية، وأثبتت أن العدالة ليست دائمًا كاملة، وأن بعض القوى لا تزال تتعامل بمعايير مختلفة حين يتعلق الأمر بمصر أو بالعرب عمومًا. لكن هذه الحقيقة، بدلًا من أن تُحبطنا، منحت المصريين مزيدًا من الإصرار على أن الطريق إلى القمة لا يحتاج فقط إلى الموهبة، بل إلى الصبر والوعى والقدرة على مواجهة الانحياز مهما كان شكله.

الأهم أن هذه المشاركة وجهت تحية مستحقة للكفاءة الوطنية المصرية. فقد أثبتت الإدارة الفنية المصرية أن أبناء هذا الوطن قادرون على صناعة الفارق، وأن المصرى حين يُمنح الثقة ويعمل بإخلاص، يستطيع أن يصل بعيدًا ويقدم ما يليق باسم بلده، بعيدًا عن أوهام الاستيراد والتقليل من قدرات أبناء الوطن.

وفى الداخل، كانت المشاركة كاشفة بامتياز. سقطت أقنعة كثيرة، وظهر من يفرح لنجاح مصر بصدق، ومن يضيق صدره بكل إنجاز وطنى، ومن لا يرى فى تقدم بلده إلا فرصة للتشكيك أو السخرية أو بث الإحباط. وهنا كانت المكسب الحقيقي، أن المصريين باتوا أكثر قدرة على التمييز بين من ينتمى لهذا الوطن بحق، ومن يتعامل مع نجاحه باعتباره أزمة.

أما عربيًا، فقد أعادت مصر تذكير الجميع بحقيقتها الراسخة فى الوجدان. لم يكن التفاف الجماهير العربية حول المنتخب المصرى مجرد تعاطف رياضى، بل كان تأكيدًا جديدًا على أن مصر لا تزال القلب النابض للأمة، وأن اسمها وحده قادر على توحيد المشاعر وتجاوز الخلافات وصناعة لحظة عربية نادرة يلتقى فيها الجميع على حب هذا الوطن الكبير.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن يفرح الأعداء بخروج المنتخب المصرى، لأنهم يدركون جيدًا أن مصر القوية تظل مصدر قلق دائم لهم، وأن حضورها فى أى ساحة، حتى لو كانت رياضية، يحمل معنى أكبر من مباراة وأبعد من بطولة. مصر بالنسبة لهم ليست منتخبًا يخسر أو يفوز، بل دولة إذا نهضت أربكت الحسابات، وإذا توحد شعبها أفشلت المخططات.

لقد تكون مصر لم تحمل الكأس، لكنها خرجت بما هو أبقى من الذهب والميداليات. خرجت بوعى جديد، وبالتفاف شعبى عربى واسع، وبإيمان أعمق بأن هذا الوطن لا تنكسر صورته بخسارة، ولا تهتز مكانته بتعثر، ولا يغيب دوره مهما حاول البعض التقليل منه.

فمصر أكبر من بطولة.. وأبقى من نتيجة.. وأعمق من تسعين دقيقة.

مصر حين تلعب، لا تلعب باسم أحد عشر لاعبًا فقط.. بل باسم أمة كاملة ترى فيها تاريخها، وكرامتها، وأملها الذى لا يموت.