خارج المقصورة
يتفرد سوق الأسهم عن غيره من الأسواق بحساسية استثنائية، تجعل من عامل الوقت أحد أهم عناصر النجاح، سواء فى القرار الاستثمارى أو الإجراء الرقابى.. فى هذا السوق، لا تقاس الأحداث بالأيام أو حتى بالساعات، بل تُحسب بالدقائق، وأحيانًا باللحظات. فكل تأخر فى اتخاذ القرار قد يفتح الباب أمام خسائر يصعب احتواؤها، أو يتيح فرصة لممارسات قد تهدد استقرار السوق وتهز ثقة المستثمرين.
لا يحتمل سوق المال بطء الإجراءات أو التردد فى حسم القرارات، بل يتطلب منظومة رقابية تمتلك سرعة الاستجابة بقدر ما تمتلك دقة التقييم، حتى تظل قادرة على مواكبة إيقاع سوق لا يعترف إلا بمن يسبق الحدث، لا بمن يكتفى برد الفعل.
ربما أعاد ما شهده سهم تايكون إنفستمنتس هولدنج إلى الواجهة واحدًا من أكثر الملفات إثارة للجدل فى سوق المال. فالقفزات السعرية الاستثنائية التى سجلها السهم، والتى تجاوزت خلال الأشهر الماضية نسب تتجاوز العقل، دون إفصاحات أو مستجدات جوهرية تواكب هذا الأداء، أثارت موجة واسعة من التساؤلات بين المتعاملين، وفتحت الباب أمام نقاشات حول طبيعة هذه الارتفاعات، وما إذا كانت تعكس قوى السوق الطبيعية، أم أن هناك ممارسات تستوجب فحصًا ورقابة أكثر عمقًا، خاصة مع التطور الكبير فى أدوات التداول والتكنولوجيا، التى قد تجعل تتبع بعض الأنماط أكثر تعقيدًا.
وأعاد هذا المشهد إلى الأذهان أهمية المادة (34) مكرر من قواعد القيد والشطب، التى منحت الهيئة العامة للرقابة المالية إحدى أهم الأدوات الرقابية الاستباقية للحفاظ على استقرار السوق. وتنص المادة على حق الهيئة فى مطالبة الشركة المقيد لها أسهم بالبورصة بإعداد دراسة للقيمة العادلة، إذا شهد السهم تغيرًا سعريًا فى اتجاه واحد يتجاوز 50% خلال فترة لا تزيد على ثلاثة أشهر، أو 75% خلال فترة لا تزيد على ستة أشهر، وبما لا يتناسب مع حركة مؤشرات السوق أو القطاع الذى تنتمى إليه الشركة.
لم تأتِ هذه المادة من فراغ، بل أُضيفت بقرار من مجلس إدارة الهيئة خلال رئاسة شريف سامى، كإحدى الأدوات التنظيمية الهادفة إلى احتواء الارتفاعات أو الانخفاضات غير المبررة، وتعزيز مستويات الشفافية داخل السوق. وخلال فترة رئاسة محمد عمران، استخدمت الهيئة هذه الصلاحية فى عدد من الحالات، وشملت أسهمًا مثل ميراكو وغاز مصر والعربية للتنمية وغيرها.
ومع مرور الوقت، تراجع استخدام هذه الأداة التنظيمية، رغم أنها لا تزال قائمة وتمثل إحدى الصلاحيات التى منحها المنظم لنفسه للتعامل مع التحركات السعرية الاستثنائية عندما تستدعيها ظروف السوق.
إعادة تفعيل هذه المادة -كلما توافرت مبرراتها القانونية والفنية- خطوة تستحق النظر، ليس باعتبارها إجراء استثنائيًا، وإنما باعتبارها إحدى أدوات الرقابة الوقائية التى تستهدف تعزيز كفاءة السوق، وترسيخ مبدأ تكافؤ المعلومات، وحماية أموال المستثمرين، خاصة صغار المتعاملين.
تنفيذ القوانين ليس عبئًا على السوق، بل أحد أهم مقومات جاذبيته. وتطبيق اللوائح على الجميع دون استثناء يعزز الثقة، ولا ينتقص منها. كما أن سرعة التعامل مع الملفات الحساسة ليست ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة سوق يتحرك فى كل لحظة، وتتغير فيه مراكز المستثمرين مع كل قرار وكل معلومة.
< يا سادة.. سوق الأسهم ليس كغيره من الأسواق.. وفيه، قد يصنع توقيت القرار الفارق بين حماية السوق وترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من الجدل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض