رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى



يثير الحديث عن احتمال انسحاب ترامب من حلف الناتو جدلًا واسعًا، خاصة في ظل تصريحاته السابقة التي انتقد فيها الحلف واعتبره عبئًا على الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن تحليل المعطيات السياسية والاستراتيجية يشير إلى أن هذا السيناريو بعيد الاحتمال.

أولًا، هناك قيود مؤسسية وقانونية داخل النظام الأمريكي. فقرار الانسحاب من الناتو ليس خطوة فردية مطلقة بيد الرئيس، بل يتطلب توافقًا مع الكونغرس، الذي أظهر في السنوات الأخيرة دعمًا قويًا للحلف. وقد سعى مشرعون من الحزبين إلى تمرير تشريعات تحدّ من قدرة أي رئيس على الانسحاب دون موافقة تشريعية، ما يجعل القرار أكثر تعقيدًا من مجرد رغبة سياسية.

ثانيًا، يدرك صناع القرار في واشنطن الأهمية الاستراتيجية للناتو كأداة لفرض النفوذ الأمريكي عالميًا. فالحلف لا يمثل فقط التزامًا دفاعيًا، بل هو منصة تضمن للولايات المتحدة قيادة المنظومة الأمنية الغربية. الانسحاب منه يعني التخلي عن نفوذ طويل الأمد في أوروبا، وهو ما يتناقض مع مبدأ "أمريكا أولًا" إذا فُهم باعتباره تعزيزًا للقوة لا تقليصًا لها.

ثالثًا، حتى خطاب ترامب نفسه تجاه الناتو كان أقرب إلى الضغط لإعادة التوازن في تقاسم الأعباء، وليس تفكيك الحلف. فقد ركز مرارًا على ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي لدى حلفاء الناتو بنسبة ٥٪ من الناتج المحلى الإجمالي، وهو ما تحقق جزئيًا بالفعل. بمعنى آخر، كان الهدف إعادة تشكيل العلاقة داخل الناتو، لا الانسحاب منه.

رابعًا، البيئة الدولية الحالية، خاصة في ظل التوترات مع روسيا وتصاعد المنافسة مع الصين تجعل من الصعب على أي إدارة أمريكية التخلي عن
تحالف عسكري يضم أكبر القوى الاقتصادية والعسكرية في العالم. فالناتو يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية الردع الجماعي، وأي انسحاب سيُفسَّر كإشارة ضعف، ما قد يشجع خصوم الولايات المتحدة.

أخيرًا، هناك بُعد سياسي داخلي؛ إذ إن الانسحاب من الناتو قد يواجه معارضة واسعة من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، وكذلك من قطاعات كبيرة من الرأي العام والنخبة السياسية. هذه المعارضة قد تُكبّل أي خطوة جذرية وتدفع نحو الحفاظ على الوضع القائم مع إدخال بعض التعديلات.

إن حلف شمال الأطلسي يمثل للولايات المتحدة أهمية كبيرة لأنه يعزز نفوذها العالمي، ويوفر شبكة تحالفات عسكرية تحمي مصالحها، ويقاسم أعباء الدفاع مع أوروبا، ويمنحها قواعد وانتشارًا استراتيجيًا، ويشكل رادعًا لخصومها، خاصة في مواجهة روسيا والصين، مما يرسخ قيادة الولايات المتحدة للنظام الدولي.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن ترامب، رغم خطابه الحاد، يميل إلى استخدام الناتو كورقة تفاوضية لا ككيان يسعى إلى الانسحاب منه. وبالتالي، فإن بقاء الولايات المتحدة داخل الحلف يظل الخيار الأكثر ترجيحًا في المدى القريب.