بعد 45 عاماً من صدوره
تعديلات قانون الشركات.. محاولة جديدة لتحسين مناخ الاستثمار
خبراء: الإصلاح التشريعى مطلوب.. والرهان على التطبيق
تتجه الأنظار إلى التعديلات المقترحة على قانون الشركات، وتعتبر من أبرز خطوات الإصلاح التشريعى المرتبطة ببيئة الأعمال خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد موافقة مجلس الشيوخ على إحالة تقرير دراسة الأثر التشريعى لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 إلى رئيس الجمهورية متضمناً مجموعة من التعديلات المقترحة منها تسريع الإجراءات، وتعزيز الحوكمة، ورفع مستويات الشفافية، وتمكين المرأة اقتصادياً، إلا أنه يثار تساؤل عن الأثر الحقيقى لهذه التعديلات على مناخ الاستثمار وقدرتها على تحويل الإصلاح التشريعى إلى استثمارات وفرص نمو على أرض الواقع.

أوضح الدكتور عبدالعزيز هاشم، المستشار السابق لوزير الماليه وأستاذ إدارة الأعمال، أن المستثمر الأجنبى يعطى قدراً من الاهتمام المتوازن لكل الجوانب التى تهدد استثماراته واستمراره فى السوق وحريته فيما يتخذه من قرارات، كما أن المستثمر يركز على أربعة محاور للاستثمار وهى المعوقات الاقتصادية والمالية، وتقلبات سعر الصرف والتضخم وارتفاع تكاليف التشغيل، والمعوقات التشريعية والمؤسسية مثل التغير المفاجئ فى القرارات واللوائح كالنزاعات الضريبية والجمركية، وبطء الفصل فى المنازعات، والمعوقات الإدارية والبيروقراطية، والمعوقات الهيكلية والسوقية وفجوة المهارات فى سوق العمل وارتفاع تكلفة الخدمات اللوجستية.
ولفت «هاشم» إلى أن إشكالية تعديل القوانين فى مصر أفرزت العديد من المشاكل العملية، متسائلاً عن سبب الإصرار على تعديل قوانين عفا عليها الزمن وتغير الدستور الذى تستند إليه وتغيرت ظروف الحياة فى كل جوانبها، واستشعر أن وراء هذا النهج رغبة فى خلق غابة من التعديلات لخلق مشاكل مستمرة فى التطبيق لإعاقة حياة الناس بدلاً من العمل على تسهيلها، ورغم أن قانون 159 لسنة 1981 نجح فى تنظيم بيئة الشركات لعقود، إلا أن أبرز مشاكله تكمن فى قدمه، وتداخله مع قوانين أخرى (كقانون الاستثمار)، وتعقيده الإجرائى، وبالرغم من أن هذا القانون خضع لعدة تعديلات عبر السنوات (أعوام 1989، 1994، 1998، 2005، 2009) هذا بخلاف التعديل الأهم والأحدث بموجب القانون رقم 4 لسنة 2018 وذلك لتحقيق مواكبة القانون للتطورات الاقتصادية، إلا أنه فى الوقت الحالى الذى يشهد العديد من التطورات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، تدعو الأصوات القانونية والاقتصادية باستمرار إلى الحاجة لإصدار «قانون شركات موحد جديد وعصرى» يلغى التعديلات المتراكمة، ويوفر مرونة حقيقية للشركات الناشئة، ويعزز الحوكمة الرقمية، بدلاً من الاستمرار فى ترميم قانون يعود إلى أكثر من 40 عاماً، كما أن هذه التعديلات تؤثر بشكل أساسى فى الاستثمارات طويل الأجل، وأضاف أنها قد ترتب أثراً عكسياً بمعنى أنها قد تمثل عبئاً إضافياً على المستثمر، أما المستثمر قصير الأجل فهو يركز على الاستفادة من تقلبات السوق، ويركز على السيولة وإدارة النقد والتحوط ضد المخاطر ويسعى لتحقيق العائد السريع وتحقيق أرباح رأسمالية والاستفادة من فروق أسعار الفائدة.
أما عما إذا كان هناك عائد اقتصادى متوقع من هذه التعديلات، لفت أستاذ إدارة الأعمال إلى أنه فى البداية يجب النظر فى تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الشئون المالية والاقتصادية والاستثمار ومكتب لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس الشيوخ، ووفق ما عرضته النائبة والوزيرة السابقة للاستثمار الدكتورة سحر نصر بشأن دراسة الأثر التشريعى، ورغم كل ما تضمنه التقرير، أرى أن هذه التعديلات لا تعدو صياغات رنانة ستزيد الواقع تعقيداً، والحقيقة أنا لا أوافق على إجراء تعديلات جديدة على قانون مر عليه ما يقرب من نصف قرن وآخر عقد فقط شهد تغيرات جذرية فى كل مناحى الحياة فى مصر والعالم وفى مقدمتها البيئة الاقتصادية والتكنولوجية، كما أرى أن اللجوء إلى المزيد من التعديلات هو هروب من المسئولية المتعلقة بتطوير تشريع حديث يواكب التغيرات والمستجدات فى عالم الاستثمار، وأن التأخر فى إصدار قانون حديث شامل يراعى التغيرات الحالية والمتوقعة، لا يرجع إلى نقص فى الخبرة القانونية فحسب، بل إلى تعقيدات هيكلية وفلسفية.
وأضاف هاشم أن أبرز العقبات التى تواجه التعديلات بصفة عامة هى معضلة التوازن التشريعى من حيث تداخل الاختصاصات والازدواجية الرقابية، والمعضلة الفلسفية: «المرونة» مقابل «الصرامة» مثل جذب الاستثمار مقابل حماية الدائنين وصغار المستثمرين، ومعوقات مواكبة النماذج الاقتصادية الحديثة مثل: الفجوة الرقمية والتكنولوجية وآليات التمويل الحديثة.

وأختلف معه فى الرأى، كرم سلام عبدالرؤوف سلام، مستشار العلاقات الاقتصادية الدولية، معتبراً أن هذه التعديلات خطوة إيجابية، وذلك لاستطاعتها خفض مدة مراجعة تقييم الحصص العينية من 60 يوماً إلى 30 يوماً، وإسناد التقييم إلى جهات متخصصة معتمدة بما يحد من تضارب المصالح، وتعزيز قواعد الحوكمة والشفافية، ورفع الحد الأقصى لأسهم الخزينة من 10% إلى 20%، بما يمنح الشركات مرونة أكبر فى إدارة رؤوس أموالها، مؤكداً أن هذه التعديلات ليست وحدها كافية لجذب الاستثمار، بينما تمثل الإجراءات التنفيذية والبيروقراطية وسرعة الحصول على التراخيص والبنية التحتية واستقرار السياسات الاقتصادية النسبة الأكبر.
وعن التأثير المتوقع على الشركات الصغيرة والمتوسطة جراء هذا التعديل.. أشار «سلام» إلى أن تلك الشركات تمثل 90% من إجمالى المنشآت الاقتصادية أى العمود الفقرى للاقتصاد المصرى، وتوفر ما يقرب من 75% من فرص العمل فى القطاع الخاص، ومن ثم استفادتها من التعديلات ستكون كبيرة، وذلك بسبب تسريع إجراءات التأسيس وزيادة مرونة ممارسة الأعمال، وتخفيف الأعباء المرتبطة ببعض متطلبات الإفصاح من خلال إعفاءات مخصصة للشركات الصغيرة، وتعزيز ثقة البنوك والمؤسسات التمويلية فى الشركات الملتزمة بالحوكمة، وتسهيل جذب شركاء ومستثمرين جدد، كما أن تحسين قواعد الحوكمة سيساعد الشركات الصغيرة على الانتقال التدريجى من الاقتصاد غير الرسمى إلى الاقتصاد الرسمى، كما أنه يمكن أن تسهم هذه التعديلات فى جذب استثمارات محلية وأجنبية جديدة، ولكن بصورة غير مباشرة وتراكمية، فالمستثمر الأجنبى يقيِّم الدولة من خلال عدة مؤشرات أهمها حماية حقوق المساهمين، والشفافية والإفصاح، وسرعة الإجراءات، وكفاءة الحوكمة، واستقرار التشريعات، والتعديلات الجديدة تتعامل مع معظم هذه العناصر بصورة إيجابية.
أما عن القطاعات الأكثر استفادة من هذه التعديلات، فهى القطاع الصناعى وقطاع التكنولوجيا والشركات الناشئة، والقطاع المالى غير المصرفى بما يشمله من شركات التأمين والتمويل والاستثمار، والقطاع العقارى، وقطاع الخدمات والاقتصاد الرقمى وهو من أسرع القطاعات نمواً فى العالم ويعتمد بشكل أساسى على مرونة البيئة التشريعية.
وأضاف أن التعديلات تمثل خطوة مهمة جداً، لكنها ليست نهاية الطريق، لأن هناك مجموعة من الإصلاحات المكملة لا تقل أهمية، منها التوسع فى التحول الرقمى الحكومى، وتقليل زمن إصدار التراخيص، وتوحيد الجهات الرقابية وتقليل التداخل بينها، واستقرار السياسات الضريبية والجمركية، وتعزيز دور المحاكم الاقتصادية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة مالياً وفنياً، والتوسع فى الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتطوير منظومة التدريب وربط التعليم باحتياجات سوق العمل.

واتفق معه فى الرأى، طه رمضان، خبير دراسات الجدوى وتقييم المشروعات، قائلاً: إن التشريعات والاستقرار الاقتصادى هما بالفعل منظومة متكاملة لا يمكن الفصل بينهما، لجذب الاستثمار الأجنبى، لافتاً إلى أن قانون الشركات، ليس مجرد نصوص قانونية، بل هو الواجهة الاستثمارية والأداة الأساسية للحوكمة التى تطمئن المستثمر على مصير ومسار استثماراته، ففى البيئة الاقتصادية الحالية، لم يعد المستثمر الأجنبى يبحث فقط عن الفرص الاستثمارية، بل يضع الجانب القانونى والإجرائى فى مقدمة أولوياته، والمستثمر دائماً يبحث عن «وطن لرأسماله» يوفر له الاستقرار والمرونة.
وأكد «رمضان»، أن القانون ليس حكماً قائماً مدى الحياة، ولكنه يتغير تبعاً للظروف والمتغيرات الاقتصادية، أو بما يتماشى مع المتغيرات الاقتصادية، والمتغيرات السياسية، والمتغيرات الدولية، وهذه الرؤية هى التى تحول بوصلة المستثمر من الاستثمارات قصيرة الأجل إلى استثمارات طويلة الأجل، وضخ رؤوس أموال فى مشاريع بنية تحتية، مصانع، أو خطوط إنتاج وتكنولوجيا متطورة، وينتج عنها التحوط من المخاطر المستقبلية، أى أن المستثمر يدرك أن أى تحدٍّ تكنولوجى أو تغير فى الأسواق العالمية ستقابله مرونة تشريعية محلية تحمى استثماراته وتدعم نموها، وهناك استدامة الإصلاح أى أن التعديل القانونى المتناغم يعطى انطباعاً بأن الإصلاح الاقتصادى هو «نهج دولة مستدام» وليس مجرد قرارات مؤقتة ترتبط بأشخاص أو ظروف معينة، بالإضافة إلى تحسين الميزة التنافسية، وتصبح الدولة بيئة جاذبة ومستقرة مقارنة بالأسواق الناشئة الأخرى التى قد تعانى جموداً تشريعياً أو تقلبات فجائية فى القوانين، لذا يعتبر الاستقرار التشريعى المرن هو «صمام الأمان» الذى يحول العلاقة بين المستثمر والدولة من مجرد صفقة تجارية عابرة إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض