خارج المقصورة
«يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين، وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه، أو بما يعادل ما حققه المخالف من نفع، وبما لا يجاوز 20 مليون جنيه أو مثل ما حققه من منفعة».. هكذا تنص إحدى مواد قانون سوق المال الخاصة بجريمة التلاعب.
للوهلة الأولى تبدو العقوبة صارمة وقادرة على ردع المخالفين، لكن من يعيش تفاصيل سوق المال، ويعرف ما يدور خلف الكواليس، يدرك أن النص التشريعى لم يعد مواكبًا لحجم الجرائم التى يشهدها السوق، ولا للقفزات الهائلة فى الأرباح غير المشروعة التى يحققها بعض المتلاعبين، خاصة بعد التغيرات الاقتصادية وتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية، لتصبح الغرامات الحالية محدودة الأثر مقارنة بما يجنيه المخالفون من مكاسب قد تصل إلى مئات الملايين من الجنيهات.
وبالعودة إلى سجل قضايا التلاعب فى البورصة، تتكرر أسماء بعينها فى العديد من الوقائع، إذ سبق أن تعرض بعض المتورطين لعقوبات بالحبس أو الغرامة، إلا أن آليات التصالح المنصوص عليها فى القانون تتيح فى بعض الحالات إنهاء النزاع مقابل مبالغ لا تمثل سوى جزء ضئيل للغاية من المكاسب التى تحققت، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى تحقق الردع الحقيقى.
ليس خافيا على أحد أن سوق المال شهد خلال السنوات الماضية وقائع تلاعب هزت ثقة المستثمرين، وكان عام 2016 أحد أبرز المحطات، مع القضية التى عُرفت إعلاميًا بـ«خلية أكتوبر»، والتى كشفت حجم المخاطر التى يمكن أن تتعرض لها السوق عندما تستغل الثغرات التشريعية والرقابية لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب صغار المستثمرين واستقرار السوق.
فى إحدى الوقائع الأخيرة قام واحد من أخطر المتلاعبين فى السوق، بالتلاعب و«تلبيس» صغار المستثمرين فى أحلام وردية تتعلق بصعود للأسهم، وكان آخر ضحايا هذه المافيا الذى يخرج فى كل واقعة تلاعب «لسانه» للرقابة المالية، رغم أن بيدها العلاج عبر تشريع جديد يعالج هذه المشاكل، ويكون أكثر تشددا، أما أن تظل هذا المشهد محلك سر، فهى أكبر الكوارث.
المهم أن هذا المتلاعب أضر بمستثمرين عرب، وبالتحديد من دولة خليجية، وكبّدهم خسائر بالملايين، وهو ما اضطرهم إلى الشكوى للرقابة المالية، والتهديد باللجوء إلى القضاء، وبالتالى الإساءة إلى الاستثمار فى السوق المصرى، والإضرار بالبورصة المصرية، وكالعادة قام المتلاعب بتسريب معلومات لجماعته من المتلاعبين عن لقاءاته مع الرقابة المالية لإسدال الستار على الملف، من أجل «الشو»، وأنه لا أحد يستطيع الاقتراب منه.
سجلات سوق المال تحمل من الوقائع ما يكفى لإثبات أن المشكلة لم تعد فى اكتشاف التلاعب فحسب، وإنما فى كفاية الأدوات القانونية لمواجهته، فكلما كانت العقوبة أقل من العائد المتوقع من الجريمة، تراجعت فاعلية الردع، وتحول القانون إلى تكلفة يمكن احتسابها ضمن حسابات الربح والخسارة.
لا خلاف على أهمية القرارات التى تصدرها الهيئة العامة للرقابة المالية لتطوير السوق وتعميق التداولات وإضافة أدوات مالية جديدة، إلا أن حماية السوق لا تتحقق فقط بالتوسع فى المنتجات، بل تبدأ قبل ذلك بتوفير مظلة تشريعية صارمة تضمن النزاهة والشفافية، وتغلق أبواب التلاعب بصورة حاسمة.
< يا سادة.. هل تشهد المرحلة المقبلة تحركًا لتعديل مادة التلاعب فى قانون سوق المال، بما يضاعف العقوبات ويجعلها متناسبة مع حجم الجريمة والعائد غير المشروع منها؟ خطوة كهذه قد تمثل رسالة حاسمة بأن حماية المستثمرين والحفاظ على سمعة البورصة المصرية لا تقل أهمية عن تنشيط التداولات وجذب الاستثمارات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض