رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

بدون رتوش

فى معرض الحديث عن مسار الهيمنة الأمريكية اليوم نجد أنه يتراوح بين الصعود والهبوط لا سيما مع الأزمة الراهنة فى ظل النظام العالمى. يسوقنا هذا إلى الحديث عن انهيار الاتحاد السوفيتى عام 1991، إذ لم تكن الولايات المتحدة يومها تمتلك قوة سياسية واقتصادية فحسب، بل جسّدت قِيَما محل إعجاب تأسست على الحكم الدستورى والحرية. بيد أن ذلك لم يستمر. ومن أجل فهم أسباب الصعود الأمريكى، وكيف آلت الأمور بعد ذلك إلى الإخفاق الحالى لا بد لنا من العودة إلى القرن التاسع عشر عندما كانت القوى الأوروبية لا سيما المملكة المتحدة تهيمن على العالم. ثم خلال السنوات التى سبقت عام 1914، فلقد حدثت الثورة الصناعية الثانية والتى كانت الولايات المتحدة الأمريكية فى طليعتها، وشملت إحراز تقدم فى مجالات علمية عديدة شهد العالم معها تحولات كبرى.

بحلول نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت الولايات المتحدة سيدة أوروبا بلا منازع. إلا أن التضخم الذى شهدته عشرينيات القرن العشرين والبطالة الجماعية خلال الكساد أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية. وفى هذا الصراع انقسمت أوروبا، فأصبح قسمها الغربى معتمدا على الولايات المتحدة، واختفت الإمبراطوريات الأوروبية، وبرز توافق اجتماعى ديموقراطى، وأصبحت الرأسمالية هى النظام الجديد. وبين عامى 1989، 1991 انهار الاتحاد السوفيتى وإمبراطوريته. وأطلقت الولايات المتحدة على انتصارها على الأيديولوجيات الشمولية الفاشية والشيوعية، وعلى جميع منافسيها الجيوسياسيين، وألمانيا واليابان والإمبراطورية البريطانية، والاتحاد السوفيتى اسم اللحظة أحادية القطبية. لكن فى غضون 35 عاما من انتصارها اختفى دور الولايات المتحدة بوصفها قوة مهيمنة لتحقيق الاستقرار. وبرزت حينئذ تحولات تنقل النظام إلى الفوضى، والنصر إلى الهزيمة، وهى تحولات اقتصادية وتكنولوجية وسياسية فى آن واحد.

لعل من أهم التحولات التى جرت كانت صعود الصين، وظهور الثورة الرقمية، وانتصار الشعبوية اليمينية. فبعد إقصاء الصين عن تحالفها مع روسيا فى سبعينيات القرن العشرين بدأت بكين «الإصلاح والانفتاح»، وهكذا برزت قوة عظمى أخرى، ووجدت الولايات المتحدة نفسها للمرة الأولى منذ أكثر من قرن أمام منافس قوى. واليوم تواجه الولايات المتحدة كما يواجه النظام العالمى الذى صنعته أزمة عميقة، ففى الولايات المتحدة تتسم الإدارة بالفساد، وعدم الكفاءة. والأهم من ذلك أنها تناصب العداء للمعايير والقيم التى حركت الآباء المؤسسين.

والأسوأ من ذلك أن «ترامب» شرع فى تمزيق أوتار قوة الولايات المتحدة وسيادة القانون، والعلوم الرائدة عالميا، والتحالفات الموثوق بها، والثقة فى استقرارها الاقتصادى والسياسى. ولهذا حدث تحول تم بموجبه فرض حكم الأهواء ليحل محل حكم القوانين. وعلى الصعيد العالمى ظلت الديمقراطية فى تراجع طوال عقدين.

الجديد فى الأمر هو أن الأسلحة النووية باتت وسيلة يمكن فى ظلها تقليل خطر الحرب بين القوى الكبرى بدرجة هائلة، وفضلاً عن ذلك لم تعد أى قوة كبرى اليوم تعانى من النزعة العسكرية التى طبعت القرن الماضى. أما الأمر السيئ فهو أن العالم اليوم بات يواجه طيفا من التحديات التى لا يمكن التصدى لها إلا بصورة جماعية. وثمة تحدٍّ آخر يتمثل فى إدارة تداعيات التقنيات الجديدة ولا سيما الذكاء الاصطناعى. أما السؤال الذى يطرح نفسه من جديد فهو: هل سيغدو الاستبداد التعسفى هو القاعدة العالمية، أم ستظل كل من الحرية والديمقراطية مزدهرة؟.