تزخر الذاكرة الشعبية المصرية بأمثال وحكم اختصرت تجارب أجيال كاملة في كلمات قليلة، ومن بين هذه الأمثال البليغة المثل الشهير:
«لا القوالب هتنام ولا الأنصاص هتقوم»
ورغم بساطة العبارة، فإنها تحمل في طياتها معنى عميقا ّ يتكرر أمامنا كل يوم في مختلف مجالات الحياة.
ففي كل زمان ومكان، نجد من ينشغل بمراقبة أصحاب القامات الكبيرة أكثر من انشغاله ببناء نفسه .. يضيق بنجاحهم، ويستفزه حضورهم، ويعتقد أن مهاجمتهم أو التقليل من شأنهم أو التشكيك في قدراتهم قد يمنحه شيئا ّ من مكانتهم. وكأنه يتصور أن هدم الآخرين طريق مختصر للصعود، أو أن التطاول على أصحاب الإنجازات يضيف إلى رصيده قيمة لم يصنعها بجهده.
لكن الحقيقة التي أثبتتها الحياة مرارا ّ هي أن مناطحة الأقزام لأصحاب القامات لا تجعلهم أطول قامة، بل تكشف حجم الفارق بينهم .. فالشجرة المثمرة لا تتوقف عن الإثمار لأن البعض يرشقها بالحجارة، والجبل لا يفقد ارتفاعه لأن أحدهم قرر الوقوف أمامه متحديا ّ، والقيمة الحقيقية لا تنقصها حملات التشويه ولا تزيدها حملات المديح، لأنها تستند إلى رصيد من العمل والإنجاز والخبرة والاحترام.
ولعل المفارقة اللافتة أن البشرية حققت خلال العقود الأخيرة تقدما ّ علميا ّ وطبيا ّ مذهلا ّ، واستطاعت أن تعالج أمراضا ّ كانت مستعصية، وأن تصل إلى الفضاء، وأن تطور تقنيات غيرت وجه الحياة ، ومع ذلك لم ينجح العلم حتى اليوم في اختراع وسيلة تجعل الإنسان أطول قامة بعد اكتمال نموه الطبيعي.
وكذلك الحال مع قامات الفكر والعلم والأخلاق والخبرة؛ فلا توجد وصفة سحرية تمنح الإنسان مكانة لم يستحقها، ولا عقار يختصر سنوات من الكفاح والعمل الجاد.
إن أصحاب القامات الحقيقية لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه بالصخب أو الادعاء أو الانشغال بالآخرين، وإنما بالصبر والاجتهاد وتراكم الخبرات والقدرة على العطاء.
أما الذين يقضون أعمارهم في مطاردة الناجحين ومحاولة النيل منهم، فإنهم غالبا ّ ما يكتشفون بعد سنوات أنهم أهدروا وقتهم في معارك لم تضف إليهم شيئا ّ.
ولهذا بقيت الحكمة الشعبية صادقة رغم مرور الزمن؛ فالقامات لا تهبط لأن غيرها يتمنى ذلك، والأنصاص لا تقوم لمجرد أنها تهاجم أصحاب القامات .. فلكل إنسان طريق واحد مضمون للارتفاع الحقيقي، وهو أن ينشغل ببناء نفسه بدلا ّ من الانشغال بهدم الآخرين.
ولذلك سيظل المثل الشعبي معبرا ّ عن حقيقة إنسانية لا تتغير:
لا القوالب هتنام ولا الأنصاص هتقوم، لأن القيمة تُبنى بالجهد والإنجاز، لا بالضجيج ومناطحة أصحاب القامات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض